أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

10‏/02‏/2017

مسمار جحا - محمد الفزاري


في البلدان التي أسست أنظمتها لخدمة المواطن، لا يذكرون إنجازات الحاكم إلا استطرادا إيمانا منهم بأن هذا هو واجبه الطبيعي، وهذه حقوقهم الطبيعية.

‏لكن في البلدان التي أسست أنظمتها لاستعباد المواطن، كما هو في عمان، يجب أن يطبل المواطن على كل حق أصيل يحصل عليه من حكومته ليثبت مدى وطنيته. ويجب أن ينسب كل نقيصة لبطانة الحاكم وحاشيته فقط والحاكم منه بريء، وكل إنجاز -إن صح أن نطلق عليه إنجاز أصلا- يجب أن ينسبه للحاكم ويهلل ويطبل له ليلا نهارا.

‏المجتمعات المستعبدة من قبل أنظمتها تعاني من شيزوفرينيا إدراكية حتى في أبسط أنواع الإدراك الذي يجب أن يمتلكه كل مواطن؛ فكيف يعقل أن تجد مواطنا يلعق حذاء الحاكم على كل حق أصيل يحصل عليه، وفي ذات الوقت يبرئه من كل تقصير بحجج واهية لا يمكن أن تصدر من عقل واعي وحر.

‏وكما يقول المثل: الطيور على أشكالها تقع. فلا يمكن أن تجد بطانة مكونة من مجموعة من السفلة والعبيد واللصوص إلا إذا كان الحاكم لا يختلف عنهم أخلاقيا. ‏الحكام السفلة يحيطون أنفسهم بمن يماثلونهم ويقبلون منهم سفالتهم ويحفظون سر فسادهم وسرقاتهم. الحاكم هو من يختار بطانته وليس العكس.

‫البطانة هي مسمار جحا يعلق عليه الحاكم السافل سفالته، ويعلق عليه المواطن المصاب بالشيزوفرينية الإدراكية غباءه وجهله وقبح عبوديته‬.

02‏/02‏/2017

كلام مهم يجب أن يقال.. إلى جهاز الأمن الداخلي - محمد الفزاري


بعد مضي قرابة 6 أشهر منذ منعي من السفر ومصادرة وثائقي، قلت للعقيد الذي كان مسؤولا عن ملفي ويفرض عليّ مقابلته وديا للحديث* بين حين وآخر: أنا خلاص تعبت ما ممكن أستمر أعيش بدون وثائق، لا جواز ولا بطاقة شخصية.. ومافيه جهة قضائية قبلت تستلم تظلمي ضد جهاز الأمن.. وأنت عارف أنا ما علي أي قضية "وقتها".. وإذا استمر الحال بخرج من عمان.

ضحك ورد: أنت الإمارات ما تقدر تدخلها.

لم أرد واكتفيت حينها بالصمت مع ابتسامة ساخرة وأنا أحدثني: حد يتكلم عن دخول الإمارات ههه. بعد مضي شهرين أنا في لندن.

من الواضح أن أفراد جهاز الأمن الداخلي يفهمون أن معنى مفردة الأسرة الحاكمة في النظام الأساسي ليس فقط أنهم يملكون الحكم، بل أيضا يملكون جميع المواطنين وثروات البلاد. يعتقدون أن جميع المواطنين مجرد عبيد في مزرعتهم. وهم لهم الحق في تقرير مصيرهم. ذات الأسباب تتكرر. نحن أدرى بمصلحتكم.. نحن نحميكم من أنفسكم. هذا ما حدث معي، وهذا ما يحدث مع زوجتي، وهذا ما يحدث مع كل المواطنين المغضوب عليهم.

أنا أعرف سبب غضبكم، لأني كسرت ثقتكم العمياء بقدرتكم في التحكم بمصير المواطنين. كنتم تعتقدون أنكم قادرين على السيطرة على جميع المواطنين بترهيبكم، وغرس ثقافة الخوف، والضغط على كل خارج عن طوع أمركم اجتماعيا وأسريا. لكن أؤكد لكم هذه لعبة صبيانية عندما تقوم دولة بهذه الأفعال التي تسيء للسمعة الوطن قبل أن تسيء لكم.

وأعرف أيضا أن سبب سخطكم أكثر وأكثر، أني خرجت من عمان بأموالكم عمدا لأكسر كبرياؤكم وأصفع ثقتكم العمياء. كنتم تحاولون رشوتي منذ سنوات مقابل السكوت ورفضت.. حاولتم تبني مجلة مواطن ورفضت. لكن عندما قررت الخروج تركت كل ما أملك لأسرتي، وقلت لعقيدكم ممكن الآن آخذ مساعدة لو هناك إمكانية لأني أمر بظروف أسرية. أعطاني مبلغ صغير، وحجزت به تذكرتي وصرفت الباقي على تكاليف السفر الأخرى.

أقول كل هذا كرسالة لعل هناك رجل رشيد في جهاز الأمن يفهم ما أعني. أنتم وسلطتكم لا تملكوننا. نحن أحرار. تذكروا كلامي هذا.

أعلم أنكم منذ خروجي حاولتم كثيرا الضغط على زوجتي وأسرتها لدفعها للطلاق. للأسف أقولها أن خستكم ودناءتكم وصلت للتصريح بهذا أمام والد زوجتي وزوجتي عندما تم استدعاؤهم: "محمد يرجع أو الطلاق". تعرضتم للأسرة في أبسط حقوقهم مثل التوظيف. وماحدث مؤخرا من منع* مجرد تكملة لمسلسل خستكم لدفع أسر زوجتي لإنهاء الزواج بحجة العيب والفضيحة وكلام الناس وكذلك الخوف على مصالحهم. ولهذا أحمّل الأجهزة الأمنية هذا المصير وعواقبه.


هوامش:
*هدف اللقاءات الودية هو عمل غسيل المخ بالاضافة إلى الترهيب والترغيب لكل مواطن يخرج على عصا الطاعة. يتم نقلك من ضابط إلى آخر اعتمادا على مستوى النجاح أو الاخفاق الذي يحققه الضابط.
*لم تكن زوجتي والأولاد ينوون الاستقرار في بريطانيا، كانت مجرد زيارة قصيرة لمدة شهر.

12‏/01‏/2017

اختزال وطن - محمد الفزاري


يا ترى هل يوجد حول العالم اختزال لوطن وإرادة شعب وثروة بلد، في شخص واحد، وإرادة واحدة، ومزاج واحد، فقط، كما هو موجود في بلادي؟!

 النشيد الوطني، ما هو إلا نشيد سلطاني ودعاء لشخص السلطان قابوس! 

العيد الوطني، ما هو إلا عيد ميلاد السلطان قابوس!

 الدستور العماني والمسمى بالنظام الأساسي، ما هو إلا منحة من السلطان قابوس!

 كم من الحقوق الأساسية التي هي حق أصيل للمواطن، لا تأتي إلا بمكرمة من السلطان قابوس!

 جميع خيرات البلد، لا ينقص ولا يزيد منها إلا بأمر من السلطان قابوس! 

رؤية عمان 2020 الفاشلة ورؤية 2040 القادمة، لم تخرج للعلن إلا بأذن وتوقيع السلطان قابوس!

 لا يوجد مجلس ولا سلطة عليا، إلا على رأسها السلطان قابوس!


هو السلطان القائد الرئيس الوزير المحافظ الذي يملك عمان، أرضها وثرواتها وإرادة شعبها. هو صاحب الصوت الواحد الأحد ولم يكن ويكون له كفؤا أحد!

15‏/12‏/2016

نعم أنا ملحد بربكم الداعشي - محمد الفزاري



ما أكثر الأوصياء! ما أكثر الدواعش! ما أكثر محامي الرب! بالأمس نشرت "بوست" في صفحتي وأنا أبكي حرقة بسبب مناظر الموت العبثية العشواء التي لم يسلم منها حتى الأطفال وهم في عمر الزهور، قائلا: "هل هناك حقا إله؟! وإذا كان يوجد، هل هو عادل؟! كرهتني، أشعر بالعار والخزي كوني كائن بشري."

تخيلتني مكان أحد هؤلاء الأطفال: ما ذنبي أن أقتل؟! ما ذنبي أن تهدر آدميتي؟! تخيلتني أحد الآباء واقفا أمام كومة من الأشلاء البشرية أحاول تمييز ما تبقى من جثة طفلي! كرهتني في ذلك الوقت كوني كائن بشري، لأنه لا يوجد كائن آخر يتجرأ فعل ذلك. 

صحيح لم تكن هذه أول حرب نرى نتيجتها مثل هكذا صور، لكنها تراكمات النفس. تراكمات ألم خبطات الموت الموجعة، بكل أنواعه. كان مشهد صغير آخر فقط من مشهد أكبر، لإحساس ساورني منذ مدة وأنا أتأمل في حقيقة الموت.

أكثر خبر يهز بدني ويخيفني، خبر الموت المفاجئ. ليس لأني أخاف الموت؛ فكم تمنيت الموت في لحظات اكتئاب حادة، وكم حاولت الإنتحار وخططت له وخمرة الفكرة في رأسي حتى فسدت، لكنه يريني بكل وضوح حقيقة هذه الحياة التافهة. إنها ليست أكثر من عبث نحاول أن نتجاهله رغم معرفتنا به. وكل ما ننسى وننغمس في الحياة ومتعها بشعور أو لا شعور، يخبطنا الموت المفاجئ على رؤوضسنا خبطة تهوي بنا إلى قاع عدمية متطرفة نفقد بسببها رؤية جميع الألوان، إلا اللون الأسود. لا ترى إلا سوادا إذا نظرت خلف ظهرك، ولا ترى إلا سوادا إذا نظرت أمام قدماك، وحتى لو حاولت أن ترمي بنظرك بعيدا محاولا تجاوز السواد لا تستطيع، تراه ينتظرك هناك مبتسما: تعال.. تعال.. تعال.

في منشوري طرحت ألمي بفكرة تعمدتها. بطريقة تضمن لي الاستمرار في هذه الحياة، مؤمنا في حقي الكامل في التعبير عن أفكاري بكل حرية، مثلما قال درويش: "سنكتب من أجل ألا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا". والسبب الآخر الذي دعاني لقول ذلك، هو لاختبار حقيقة التسامح التي يدعيها الكثير منا. لم تكن لدي مشكلة مع من أختلف مع الفكرة بكل احترام. المشكلة كانت مع من يدعون براءتهم من الأفكار الداعشية المتطرفة كل يوم. في ذلك اليوم ظهروا على حقيقتهم؛ فلو تمكنوا من رأسي وكانت لهم الكلمة؛ لفصلوه عن باقي الجسد. ما أسهل الادعاء بالشيء، وما أصعب تطبيقه في الواقع. من السهل جدا أن تدعي الثقافة وتقتبس عبارات التسامح والحرية والديموقراطية وترددها في كتاباتك وحواراتك، لكن المحك الحقيقي لاثبات ثقافتك هي مواقفك.


في هذا العالم إجابات كثيرة، وأسئلة قليلة. ما أصعب الأسئلة، وما أسهل الإجابات. ما أصعب حمل السؤال والشك، وما أسهل حمل الحق واليقين. من الصعب أن تشير بأصابع الشك إلى يقينياتك، ومن السهل أن تشير بأصابع الكفر إلى تساؤلات وشك الآخر في يقينياتك. ومن السهل جدا أن تحارب عن يقين تدعيه في إيمانك برب ما، ودين ما، ومذهب ما؛ فمعظم البشر يفعلون ذلك بدرجات متفاوتة رغم اختلاف اليقينيات التي يحملونها. معظم البشر لا يتعلم من تجربته، رغم أن مايدعيه من حق اليوم، بالأمس كان يخالفه. يستمر ويستمر في مسلسل ادعاء الحق المطلق حتى يموت!

ملاحظة: أنا لست ملحدا، ولم أدعي ذلك يوما. وإن كنت حقا كذاك، لن أخجل ولن أخاف من التصريح لو استدعى الموقف؛ فهو خيار شخصي وحق أصيل لا يستطيع أي مخلوق منازعتي إياه.

26‏/09‏/2016

من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش؟! - محمد الفزاري


قبل أيام كتب الصديق العزيز نبهان الحنشي في صفحته  الشخصية في الفيسبوك العبارة التالية: "بعض معاني الحياة، أن تعيش مع الآخرين، لا أن تعيش عن الآخرين!". من منطلق تلك العبارة، التي شجعتني القول، أجدني (مضطرا) لتوضيح نقطة معينة ل "بعض" الناس. هذا البعض الذي اختار أن يعيش عني بدل أن يعيش معي.

1- بغض النظر عن الظروف التي دفعتني للخروج من عمان سواء على مستوى التضييق الأمني من اعتقالات واستدعاءات أو حتى عندما سحبت وثائقي الشخصية لفترة طويلة (الجواز والبطاقة الشخصية)، أو غيرها من أسباب.... أراني أملك كامل الأهلية لأكون حرا في قراراتي ولدي مطلق الصلاحية لاتخاذ أي قرار أراه مناسب لي، ومن ضمنها تحديد مكان عيشتي، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

2- لم تتحمل مصاريف خروجي، ومصاريف إقامتي منذ خروجي، ولم تكن هناك مساهمة مشروطة يوما ما ووافقت أنا عليها، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

3- لم أتفق معك قبل السفر، ولم أتفق معك بعد السفر كذلك بأهداف ولا بخطة معينة، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى السياسي أو الحقوقي أو أو...وحتى لم أصرح يوما، سواء قبل سفري أو بعد سفري بأني أملك أهداف محددة بعد خروجي وذكرتها علنا، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

من منطلق كل ماذكر، من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش، وماذا أفعل وماذا لا أفعل، ماذا قدمت وماذا سأقدم ؟!!!!!!!!!!!!!

25‏/09‏/2016

عمان.. بين فجوة الاستقرار وحرب السيطرة والصراع على المعلومة - محمد الفزاري


يقول جورج أورويل صاحب رواية مزرعة الحيوان في روايته الديستوبية الأخرى المعنونة بسنة 1984 كأحد فلتاته الإبداعية في أدب الخيال السياسي: "الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها أبدا، كما أنها لا تتمرد أبدا لمجرد أنها مضطهدة. والواقع هو أن هذه الجماهير لا يمكن حتى أن تصبح مدركة لحقيقة اضطهادها طالما ظل امتلاك معايير للمقارنة غير متاح لها". اتفق مع هذه الفقرة إلى نسبة كبيرة جدا لو قورنت بالواقع العماني، الواقع الذي تتشارك فيه جميع المجتمعات التي تعيش تحت وطأة نفس الظروف أهمها وجود سلطات مركزية توتاليتارية طوال عقود قادرة على تقنين مدخلات الوعي الجمعي عن طريق توجيه وتضخيم وتشويه المعلومة وحتى أيضا حجبها. ولهذا سعت هذه السلطات، عندما أحست أنها بدأت تفقد هذا الدور الشمولي في السيطرة على المعلومة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وفضاء الإنترنت المفتوح، باتباع منهج آخر لكن لا أستطيع أن أصفه بالجديد قدر ما هو بثوب جديد لغاية قديمة. فتهمتا المساس بالنظام العام والتقليل من هيبة الدولة(1) الجاهزتان المغلفتان عن طريق الأجهزة الأمنية والنيابية ما هما إلا وسيلتا استعادة سيطرة على المعلومة ومسارها. تدرك هذه السلطات كما أوضح أورويل أن فقدانها السيطرة يعني السماح لتوافر معلومات قد تدفع العقل الجمعي الموجه المستغفل المنوّم بأن يبدأ يمتلك معاييره الخاصة ويقارن؛ لتكون المحصلة مع الأيام ارتفاع نسبة الوعي الجمعي وهذا ما لا تريده وتخافه السلطة. لأنه ببساطة ارتفاع نسبة الوعي لدى المواطن يعني إدراكه للواقع وللحقيقة مما سيؤدي إلى زيادة فجوة الاستقرار، وسيجد نفسه تلقائيا في صدام مباشر مع السلطة، تبدأ على مستوى المعلومة وقد تنتهي إلى صعيد آخر أكثر حدة وتطرفا. وهذا سيربك الاستقرار كما يطلق عليه نعوم تشومسكي عندما يوصف منتقدا ركائز علاقة القوى العظمى مع هذه السلطات.

هذه القراءة، عبارة عن مقاربة لصور بانورامية لمشاهد عدة من الواقع العماني توضح مدى السيطرة التي تفرضها السلطة على مسار ونوع المعلومة التي يتلقاها العقل الجمعي بوعي ودون وعي وعلاقتها بفجوة الاستقرار. قد يساعد تسليط الضوء عليها في امتلاك بعض المعايير الدافعة للمقارنة. وأزعم -أو حتى أكاد أجزم-، يخطئ من يعتقد أن بناء وتشكيل الوعي الجمعي الذي قد يولد القوة لقول "لا" قد يأتي مباشرة بعد قراءة مقال أو كتاب أو حتى مشروع فكري فردي، هذا على مستوى الفكرة. أما على مستوى الزمن فهو يحتاج لفترة ليست بالقصيرة بتاتا تعتمد على عدد التجارب التي يواجهها أي مجتمع وسرعة التعلم منها. وبناء على فلسفة التاريخ الهيجيلية أن العقل هو من يحكم العالم في نهاية المطاف رغم كل السوء والظلام ومظاهر الفوضى الذي تعيشه البشرية؛ فالتقدم باهظ الثمن جدا ويحتاج إلى تراجعات أحيانا ومواجهة مخاضات لكي يحصل التقدم. 




فجوة الاستقرار.. بين توقعات الشعب وقدرات الحكومة

هناك دائما مستوى قدرات تملكها الحكومة ومستوى توقعات تملكها الشعوب، وكل ما زادت هذه الفجوة بين مستوى القدرات وبين مستوى التوقعات زادت فرصة حدوث الثورات وعدم الاستقرار. ويرجع السبب في زيادة الفجوة بشكل مستمر إلى عاملين مهمين: الأول، أن الحكومة تقدم وعودا مستمرة في تحسين ورفع مستوى معيشة المواطن وفي شتى جوانب صميم مسؤوليتها مما يساعد في رفع مستوى التوقعات لدى الشعب، والنتيجة تكون خلاف ذلك. ثانيا، عندما يدرك "بعض" من الشعب مستوى القدرات الحقيقية للدولة، وهي قدرات أكبر مما تعلنه الحكومة عبر أجهزتها، مما ساعد في رفع مستوى توقعاتهم وتأثيرهم على الوسط الاجتماعي بآرائهم وفقد السلطة سيطرتها على المعلومة.

في ٢٠١١ كانت الفجوة في أعلى مستوى لها وهذا ساعد بالتأثر المباشر والسريع بشرارة الربيع العربي آنذاك. ورغم تلك الفجوة الحاصلة قبل الحراك، وكانت ظاهرة العيان، إلا أن الحكومة لم تبادر بتحركات فعالة لإدارة الفجوة قبل الحراك لأسباب أو احتمالات أهمها: 1- ربما الأجهزة المسؤولة لم تكن تدرك حجم تلك الفجوة وكانت بعيدة كل البعد عن الواقع وهذا دليل على ضعف الأجهزة في استقراء الواقع. 2- ربما لم تتوقع نهائيا تلك الأجهزة قدرة الشعب في التعبير عن غضبه ميدانيا، وكانت تتكئ على مستوى الخوف الذي زرعته في نفوس المواطنين طوال السنوات ٤٠ السابقة وأيضا على مستوى سيطرتها على المعلومة، وهذا أيضا دليل آخر على ضعف التقدير.(2)

بيد أنه بعد الحراك حاولت تلك الأجهزة تدارك الوضع ليكون لصالحها عن طريق لملمة وترتيب أوراقها بطريقة ذكية والتركيز على نقاط القوة التي تملكها الحكومة. فنجحت بعمل ردات فعل ولو لم تكن مدروسة بشكل جيد، حيث ظهر الخلل بعد فترة وجيزة. وهذه طبيعة ردات الفعل بخلاف الفعل "المبادرة". ساعدت تلك الكروت في تقليص تلك الفجوة، وكانت من أهم تلك الخطوات هي تلبية بعض المطالب المعيشية المؤقتة مثل رفع الرواتب والتوظيف وتقديم وعود لحل بعض مشاكل الشباب مثل توفير صندوق للزواج، الذي لم يرَ النور حتى الآن. في الوقت ذاته تجاهلت السلطة ولم تكترث لبقية المطالب الرئيسة وأهمها المطالب الإصلاح السياسي مثل الدستور التعاقدي، والفصل التام للسلطات الثلاث، ومنصب رئيس الوزراء، ومحكمة دستورية، وصلاحيات تشريعية ورقابية لمجلس الشورى.(3)

كل ما قامت به الحكومة لإدارة تلك الأزمة هو حق مشروع لها، لكن أيضا للمواطن الحق في الشك والتساؤل ورفع مستوى توقعاته ولو أدى ذلك إلى زيادة الفجوة من جديد. وسأستخدم هنا لغة الأجهزة الأمنية، من حق تلك الأجهزة أن تعمل بكل وسائلها السلمية لتوجه نظر الشعب إلى الجزء المملوء من الكأس فقط، لكن أيضا من حق الشعب بعد النظر للجزء المملوء من الكأس، أن ينظر للجزء الفارغ من الكأس ويتساءل لماذا هو فارغ ويعمل وفق القانون سلميا لمعرفة ذلك. فقمة الإيجابية عندما تقارن وتنتقد وتقول الواقع وتذكر الحلول المناسبة إن استطعت، وقمة السلبية عندما تتهرب عن الواقع وتزيف الحقائق. السؤال الأهم الآن: ما مستوى حجم فجوة الاستقرار حاليا خاصة بعد ما فقد تقريبا أغلبية الشارع العماني الثقة في القضاء بعد تداعيات قضية صحيفة الزمن مؤخرا؟!(4)




القانون.. بين الواقع وتزوير الحقيقة

قبل فترة دخلت في حديث مع طالب جامعي في إحدى جامعات السلطنة الخاصة حول بعض المناهج وطبيعة التدريس وطريقة تعاطي المحاضر مع بعض القضايا السياسية والحقوقية والأسئلة التي ترافقها من قبل الطلاب بشكل عفوي ومنطقي. أتذكر وقتها كيف صرخت به حانقا كيف تسمحون بأن تُستغبوا بهذه الطريقة؟! رد عليّ ولا ألومه: "نريد أن نتخرج". وتحمل هذه الإجابة احتمالين في المعنى المقصود: أولا نحن لا نكترث لصحة المعلومة قدر اهتمامنا لحفظ المعلومة وصبها في ورقة الامتحان وضمان الدرجة ثم التخرج، ثانيا دخولنا في حوار جاد مع المحاضر قد يعرضنا في البداية لتوبيخ المحاضر عن طريق سجل الدرجات ثم بعد ذلك للمساءلة الإدارية وقد تصل للتحقيق. ومن ضمن المسائل التي ناقشناها قضية فصل السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية من عدمها، وقضية منح الصلاحيات لمجلس الشورى التشريعية والرقابية من عدمها. صحيح أن دور الاستغباء الذي يقوم به المحاضر عن طريق تشويه المعلومة ليس بفعل مستغرب بشكل عام؛ فالسلطة تمارسه بشكل يومي عبر قنواتها وأدواتها في استغباء مهين للمواطن، بيد أن يمتد هذا الاستغباء والاستخفاف للمؤسسات التعليمية وفي كليات القانون لهي مهزلة كبرى. مع العلم أن القضيتين لا يوجد لبس في جوهر حقيقتهما ومع هذا تمارس السلطة بجاحتها في الضحك على الذقون. فلو بدأنا في مسألة فصل السلطات، كيف نقول هناك فصل والسلطان قابوس هو رئيس أعلى سلطة تنفيذية كرئيس مجلس الوزراء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة قضائية كرئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة تشريعية كرئيس مجلس عمان! هذا لو تناسينا المناصب الأخرى بين وزير ورئيس مجلس أعلى. أين الفصل ولماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها؟!


السلطة التشريعية:
هل يملك مجلس عمان هذه السلطة؟ ووصفتها بالسلطة لأن هذا هو جوهر وجود الصلاحية من عدمه. وحسب الموسوعة العربية "السلطة التشريعية تقترح القوانين وتقرها، وقد تشاركها في عملية اقتراح القوانين السلطة التنفيذية (الحكومة)، ولكن عملية التصويت على مشروع القانون لإقراره، تدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية وحدها، لا تشاطرها فيها سلطة أخرى من حيث المبدأ، ولكن بعد سن القانون تتولى السلطة التنفيذية مهمة التصديق عليه، وإصداره ونشره". وهذا بخلاف ما نص عليه النظام الأساسي للدولة(5) كما سنلاحظ الآن. في المــادة (58) مكــررا (35): "تحـال مشروعـات القوانيـن التي تعدهــا الحكومـة إلى مجلـس عمـان لإقرارهــا أو تعديلها ثم رفعها مباشرة إلى جلالة السلطان لإصدارها. وفـي حال إجراء تعديلات من قبل مجلس عمان على مشروع القانون يكون لجلالة السلطان رده إلى المجلس لإعادة النظر فـي تلك التعديلات ثم رفعه ثانية إلى جلالة السلطان." وفي المادة مــادة (58) مكــررا (36): "لمجلس عمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس، وتتبع بشأن إقرارها أو تعديلها وإصدارها ذات الإجراءات المنصوص عليها فـي المادة (58) مكررا (35)." نلاحظ بشكل واضح وصريح أن المشرع وصاحب القرار النهائي هو السلطان قابوس. وليس هذا فقط؛ ففي المادة (58) مكــررا (39): "لجلالة السلطان إصدار مراسيم سلطانية لها قوة القانون فيما بين أدوار انعقاد مجلـس عمــان وخـلال فترة حـل مجلـس الشـورى وتوقـف جلسات مجلس الدولة." يحق للسلطان قابوس إصدار تشريعات كيفما شاء في الحالات التي أشارت إليها المادة. وأخيرا وليس آخرا المادة (58) مكــررا (40): "تحال مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال شهر على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه ثم إحالتها إلى مجلس الدولة لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه، وعلى رئيس مجلس الدولة إعادتها إلى مجلس الوزراء مشفوعة بتوصيات المجلسين، وعلى مجلس الوزراء إخطار المجلسين بما لم يتم الأخذ به من توصياتهما فـي هذا الشأن مع ذكر الأسباب." تصرح أيضا بشكل واضح ومضحك أنه يا مجلس عمان بشقيه مجلس الشورى والدولة كل مقترحاتكم وتعديلاتكم حول مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة يستطيع السلطان قابوس ومجلس وزرائه رميها في أقرب سلة مهملات!


السلطة الرقابية:
وحقيقة وجود هذه الصلاحية. المــادة (58) مكــررا (43): "يجـوز بنـاء على طلب موقـع من خمسـة عشــر عضـوا على الأقـل من أعضـاء مجلس الشورى استجواب أي من وزراء الخدمات فـي الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهـم بالمخالفـة للقانـون، ومناقشـة ذلك من قبل المجلـس ورفـع نتيجـة ما يتوصل إليه فـي هذا الشأن إلى جلالة السلطان." نصت المادة على صلاحية الأعضاء في استجواب وزراء الخدمات فقط، وهنا الإشكالية في حقيقة وجود صلاحية الرقابة أصلا. أو لنقل صلاحية خجولة لا ترقى لمستوى التصريح بحقيقة وجود السلطة الرقابية. وهذا يعني أن السلطان قابوس لا يمكن أن يحاسب لا بصفته رئيس الوزراء ولا بصفته وزيرا للمالية والدفاع والخارجية، حيث إن ذاته مصونه كما نص عليه النظام الأساسي، والوزارات التي يترأسها لا تدخل ضمن نطاق الوزارات الخدمية. الإشكالية الأخرى أن النظام الأساسي نسي أو تناسى متجاهلا، وفي النهاية سنصل للنتيجة نفسها، تحديد ما هي الوزارات الخدمية وما هي الأخرى وما صفتها. وهذا ما لعبت عليه السلطة فيما بعد عندما رفع 43 عضوا في الفترة السابقة رسالة طلب استجواب إلى رئيس مجلس الشورى لاستجواب وزير النفط والغاز جاء الرد من مجلس الوزراء أن هذه الوزارة تدخل في إطار الوزارات السيادية! وقد صرح عضو مجلس الشورى توفيق اللواتي في حسابه عبر تويتر بعد رد مجلس الوزراء: "السؤال ما هي الوزارات الخدمية؟ هذه نقطة خلاف، فحين تقدم أكثر من نصف أعضاء المجلس بطلب استجواب وزير النفط والغاز كان الرد من مجلس الوزراء أن وزارة النفط والغاز من الوزارات السيادية."(6) الأنكى من ذلك، طلب استجواب وزيرة التعليم العالي حينها قدمه 16 عضوا وانتهى بشكل درامي وغريب لا يعلم حتى الأعضاء أنفسهم ماذا حدث. وحتى لو افترضنا تم الإجماع بالأغلبية من الأعضاء في حجب الثقة عن أحد وزراء الخدمات هل بيدهم القرار لتنفيذه؟ المادة (58) مكــررا (43) تقول "لا" والقرار يرجع أيضا للسلطان قابوس فقط. بدون شك سيحاول يبرر البعض أن الصلاحيات يجب أن تمنح بالتدريج أو أن الشعب غير واع لتحمل الصلاحيات، وهذا لا يعنيني الآن لأنه محور آخر قدر ما يهمني هذا السؤال: لماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها، لماذا تشوهون المعلومة؟! والحقيقة بكل بساطة هي أن قبل تعديلات 2011 كانت لا توجد أي مادة في النظام الأساسي تنص على وجوب تمرير أي مسودة مشروع قانون على مجلس عمان، والآن توجد. بالإضافة إلى حق 15 عضو في استجواب وزير خدمات، فقط. وحتى هذه الأخيرة نضع تحتها ألف خط.




الحاكم.. بين النقد والتقديس

"كلنا ندعي أننا نحب الحق ونريد نصرته من صميم قلوبنا، ولكننا في الواقع لا نحب إلا ذلك الحق الشعري الذي نلهج به دون أن نعرف حدوده في الحياة العملية. أما الحق الصارم الذي يهدد مصالحنا فنحن أبعد الناس عنه." من العبارات التي ترسخت في رأسي بعد قراءتي كتاب "مهزلة العقل البشري" للمفكر وعالم الاجتماع علي الوردي رغم مرور على الأقل ثلاث سنوات، وهذا من النادر أن يحدث عند شخص مثلي ابتلي بضعف الذاكرة. بيد أن واقعية العبارة هي من فرضت نفسها بالقوة وقاومت امتصاص الثقوب السوداء لذاكرتي وما أكثرها. كيف سأنسى العبارة ولو أردت أن أتناسى وأنا أشاهد حجم التناقض الذي يعيشه "البعض" في منهجية النقد التي يتبعونها؟! وأعني بالبعض هنا المواطن المُغَيِّب والمُغَيَّب. 

هل يعقل أن تنتقد مسؤولا ما على تقصير معين في أدائه كمسؤول في الدولة، ومن جهة أخرى نجد الشخص ذاته يقدس ويبارك ويهلل لمسؤول آخر في الدولة بدون أن يوجه له أو يفكر أن يوجه له أي انتقاد على أداءه في قضية معينة في يوما ما. مع العلم أن المسؤول الذي يقدسه يتحمل الوزر الأكبر أو مساويا منطقيا وأخلاقيا، لأن الأخير هو المسؤول الأول وهو من عينه وهو من يقيله. ما بالك لو كان هذا المسؤول "المقدس" هو الحاكم الذي يسيطر على جميع مفاصل الدولة كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة وجميع سلطاتها الثلاث وكل مجالسها العليا وأهم وزارتها؟! الاحترام لا يعني التقديس، والانتقاد لا يعني عدم الاحترام، وكل مسؤول في الدولة مهما قدم للوطن يبقى مواطن كغيره وإنسان قبل ذلك، غير معصوم عن الخطأ وغير مرفوع عنه وغير منزه عن الانتقاد. هذا واجبه كموظف في الدولة وليس كرما ولا تكرما، بل حق للوطن والمواطن. وقد لا يدرك غير العماني ما أعنيه، لأن الكلمات أحيانا تقف عاجزة عن التوصيف بشكل دقيق للوضع القائم. الحاكم في عمان هو إله الخير فقط، وكل إله سواه هو إله الشر وكل عيبة ونقيصة. 

ويقول أفلاطون: "نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر". لكن في الواقع، التفكير يسبقه نقد ويرافقه نقد وينتهي بالنقد، لكن كل سلطة شمولية عن طريق سيطرتها الكلية على المعلومة عن طريق أدواتها ووسائلها كالإعلام وأجهزة المخابرات ومساندة وعاظها ومثقفيها، استطاعت بكل جدارة تطبيق النظرية المكارثية وشيطنة كل نزعة إصلاحية وكل دعوة هدفها التغيير في أذهان الناس. حتى أصبح مفهوم النقد لدى الكثير، ما هي إلا دعوات تخريبية مدعومة من منظمات مشبوهة. ولكن إذا حصل النقد ووجد طريقه وفرصته، جاء للأسف في الغالب مشوها ومقلوبا وناقصا للمنطق ولا تؤطره المبادئ. رسالة: كلما ساد الرأي الواحد باسم الوطنية اضمحل العقل ونهب الوطن، وكلما تعددت الآراء وتنوعت الافكار تحررت النفوس وازدهر الوطن. من كان جزءا من المشكلة لا يمكن أن توكل له مهمة حلها. 


...............................................................

الهوامش:

1- انظر: قانون الجزاء العماني، المادة 126، المادة 130، المادة 130 مكرر.
2- لمزيد من التفاصيل انظر: مجموعة مؤلفين، الربيع العماني: قراءة في الدلالات والسياقات. تحرير واعداد: سعيد الهاشمي، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص369.
3- انظر: محمد الفزاري، قراءة: الدستور التعاقدي العماني بين الطموح وشماعة الجاهزية الشعبية، مجلة مواطن، العدد 17:
4- لمزيد من التفاصيل انظر: المرصد العماني لحقوق الإنسان، تداعيات قضية الزمن، تاريخ 10 أغسطس، 2016:
5- انظر: وزارة الشؤون القانونية، الموقع الرسمي:
6- انظر: صحيفة البلد، مجلس الشورى: قضية “الوزارات السيادية” ستناقش دستوريا، عدد 5 ديسمبر، 2012:

19‏/09‏/2016

#سجن_نعيمة المقبالي - محمد الفزاري




















١- اتضامن مع نعيمة المقبالية لو حقا تم اعتقالها بسبب مجموعة تغريدات ومقاطع فيديو نشرتها في صفحاتها، كما وصلني. اتضامن معها كما تضامنت مع العديد من المعتقلين سابقا احترما لمبدأ "حرية التعبير والاعتقاد" الذي أقدسه وأنادي به وأدعوا له، رغم اختلافي مع غالبية المعتقلين في عدة قناعات، وهذا أمر طبيعي. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديس المبادئ أهم بكثير من تقديس الشخوص، وفوق كل اعتبار آخر. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديسي للمبدأ عبر تضامني مع معتقلي حرية التعبير والرأي، لا يعني بتاتا تأييدي لجميع خياراتهم وآراءهم وقناعاتهم، بغثها وسمينها، وعجرها وبجرها.



٢- عندما تم اعتقال حسن البشام، الدبلماسي السابق وأحد قيادات ميدان الإصلاح في صحار ٢٠١١، بسبب نشاطه عبر الفيسبوك وتوجيه له عدة تهم ومن ضمنها "التجديف علانية على العزة الإلهية "، قلت وقتها أن هذه القضية منعرج جديد ونار جديدة ستحرق وجه كل ناشط إصلاحي وكل مواطن يخالف السائد سواء على مستوى السياسة أو الدين، وهذا فعلا ما يحدث وسيحدث. وحسب علمي هناك كاتب معروف يحاكم حاليا أيضا بذات التهمة. لماذا هذا المنعرج خطير؟! أولا السلطة تعلم بحساسية المجتمع من النقد الديني جيدا، ولهذا ستستغله وتوظفه لمصلحتها السياسية لإخراس كل صوت معارض لها عن طريق توجيه التهمة التي ذكرتها. ثانيا والأخطر هو تقارب السلطة الأمنية والدينية الذي لن يخلف إلا تراجعا على مستوى الحريات وخاصة الفكرية يفوق التراجع الذي سببه التضييق السياسي.

٣- بالنظر إلى المحتوى والآراء اطلعت على كل المقاطع المصورة والتغريدات، التي تم تداولها وينسب بسببها اعتقال نعيمة، ولم أجد ما يثير كل هذا السخط، ويولد كل هذا التشنج؛ فكل ما طرحته يقوله حتى الكثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، لأن هذا هو الواقع فعلا.

٤- رسالة إلى كهنة ورجال الدين في عمان: هل إسلامكم أوإلهكم ضعيف لهذا القدر لكي يحتاج أن يوكل له محامين يدافعون باسمه وجلادين يعزرون بسوطه؟! ما أنتم إلا وجه من وجوه الإرهاب، وصورة مصغرة لداعش. صدق المفكر التنويري عبدالله القصيمي عندما قال: ‏إذا وُجد الإرهاب الفكري فقد وجد كل إرهاب، كما أنه إذا وجدت الحرية الفكرية زال الإرهاب كله.
٥- رسالة إلى حماة الأخلاق والقيم العمانية: أخلاقكم العمانية النبيلة والأصيلة لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد وهو يتصفح وسم #سجن_نعيمة. كل إناء بما فيه ينضح.

٦- أنتَ، أنتِ، محامي الله، حارس القيم، تذكر أنك تملك شخصيتن، واحدة أمام المجتمع، وأخرى تخبئها لأنك تستحي منها. أتوقع أنك أدركت ماذا أعني. 
.
.
.

أرفق هنا تدوينة كتبتها تاريخ 07‏/04‏/2014 بعد الحملة النتنه التي قام بها حماة الأخلاق والقيم العمانية على خلفية نشر القاصة بدرية الإسماعيلية مجموعتها القصصية التي حملت اسم "الملح". أرفق التدوينة لأسبباب معينه أهمها تشابه الجلاد، الثانوي في هذه القضية، الجلاد الإمعة.


الجسد العماني يتألم من الملح

أكتب أخيرا عن الموضوع الذي شغل الشارع العماني في الأيام الماضية، بعد ما آثرت الصمت عن الحديث حول الموضوع محاولا قراءة ردود الأفعال التي بدرت من معظم أطياف المجتمع، باختلافاتها الآيديولوجية والفكرية والمستوى الثقافي في مواقع التواصل الإجتماعي وبعض المنتديات. وحديثي هو حول "الملح" الذي ذرته بدرية الإسماعيلية على الجسد العماني الذي أصابته الكثير من الجروح العميقة - ولست في صدد الحديث حول أسبابها - ما لبث أن انتفض تألما وبدأ يئن ويصرخ حتى وصل به المطاف أحيانا بأن يفكر بقطع تلك الأجزاء المجروحة عن بكرة أبيها؛ بل وحرقها.

ما أريد أن أوضحه هنا بغض النظر عن موقفي من ملح بدرية "هل أؤيد تلك الكتابات من ناحية المضمون أو اللغة أم أرفضها؟"، بعض الملاحظات التي أرجو أن أعرضها بكل حيادية، وبعض التساؤلات التي ستتيح الفرصة للتفكير أكثر حول هذه الظاهرة.

١
هل نستطيع أن نطلق على ردات الفعل تلك والنوبات الخاطفة نتيجة حمى انتشر فيروسها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وبالأخص "الوتساب" بأنها تمثل رأي عام للمجتمع العماني!. ما هو الرأي العام لأي مجتمع، وكيف يتكون؟ في أبسط مفاهيم الرأي العام هي تلك المشاعر والأفكار والمعتقدات والقناعات التي يعبر عنها جمهور ما أو مجموعة ما حول قضية معينة تهمه، أو مشكلة تورقه، وهنا تتمحور قوة المجتمع عندما يملك رأي عام حقيقي. ويكون ذلك التجييش من المشاعر وردات الفعل الناتجة عنها رأي عام صحي؛ عندما تغدو ركيزته الأساسية الانطلاق من النزعة الفردية الى الجماعية، وليس بنزعة جماعية إلى جماعية أخرى، يعني عندما تكون هناك أصوات فردية أكثر وعيا بما تقوله وتملكه من خبرات ومعلومات.وفي محصلة نشوء هذه الاصوات الفردية، لا يلبث الحال إلى أن تتحول إلى جماعية صحية غير إمعية. عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: كم هم الأشخاص الذين انتقدوا او انتقدوا من أنتقد او أيدوا ما كتب في الملح بعد قراءتهم تلك المجموعة؟، وكم من تلك الأصوات هي ضليعة في الأدب بشكل عام والسرد بشكل خاص؟ ذلك لأن المثل يقول "لا تهرف بما لا تعرف".

٢
هل هناك حراس تم تنصيبهم لحراسة القيم والأخلاق في المجتمع العماني؟، وهل مفهوم القيم والأخلاق بعمومها هي قيم ثابتة، وغير متغيرة حسب الزمان والمكان؟. لنتفرض جدليا أن هناك أناسا تم تنصيبهم، أو نصبوا أنفسهم لحماية الخصوصية العمانية بما تحمله من قيم وأخلاق؟، أليس من واجبهم أن يمارسوا تلك المسؤولية بكل أمانة وصدق وإنصاف، ويكونوا قدوة في تطبيق تلك القيم والأخلاق التي يحمونها؟ كم من القيم والمبادئ وحقوق أفراد ومجتمع تهدر يوميا، ولم نرى مثل ردات الأفعال تلك ولا حتى همسا؟. مع تأكيدي لكي لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، أنني لا أحاول هنا توجيه قناعات البعض نحو اتجاه معين؛ لإيماني في الكثير من القضايا الخلافية أنه ليس من الضروري وجود حقيقة مطلقة. أحيانا الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تختلف عن بقرة أفلاطون؛ فالبعض يتشبث بقرنها والبعض بحافرها والبعض الآخر بذنبها. الكل لامس جزء من الحقيقة فقط، والواجب السعي والبحث عن الأجزاء الأخرى، وليس الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

٣
هل ما حدث من تجييش يحمل بين طياته وأعماقه نوع من التحامل على جنس معين على الآخر، أم لم يحدث؟ فبدون أن أسمي وأشخص كم من الروايات والمجموعات القصصية التي تم نشرها وعرضها في المعرض في السنوات الأخيرة لكتاب عمانيين "ذكور" وكانت تحمل نفس الأفكار وذات المصطلحات، ولم نسمع أي اعتراض من تلك الأصوات التي علا صوتها مؤخرا! هل القيم والأخلاق تختلف عند جنس إلى آخر؟

٤
سقط البعض وللأسف في مستنقع من الوحل وهوى بأخلاقة إلى القاع وهو يدافع عن الأخلاق عندما قام بتشخيص الموضوع وبدأ يتفنن في قذف الكاتبة والبعض منهم لم يتورع عن تأليف القصص الكاذبة، وهذه هي قمة المفارقة. والمثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح".


18‏/09‏/2016

قراءة: الإرهاب بين الإسلاموفوبيا والغربفوبيا - محمد الفزاري




يكاد يكون مصطلح "الإرهاب" من أكثر المصطلحات ترددا في وسائل الإعلام وخطب السياسيين وحتى في أجندة وبرامج المرشحين والأحزاب السياسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى اليوم، وكذلك أزعم حتى الغد البعيد جدا. وظفته كثير من الدول الكبرى كأحد وسائل الصراع الناجعة في تحقيق مصالحها، وبوجه الدقة مصالح المسيطرون على الرأي العام وعلى ديموقراطيتها واستثماراتها من شركات عابرة القارات عن طريق الانتقائية في التصنيف حسب أهواء المصالح السياسية والاقتصادية. ولهذا روجت الولايات المتحدة، أقوى قوة بحكم قبضتها الاقتصادية والعسكرية المطلقة، لتصنيفاتها وتعريفاتها للإرهابيين والإرهاب بشكل عام بحسب ما يتناسب مع مصالحها ومصالح حلفائها، وأصبحت كباراديغم أعلى يحتذى به في حربها على الإرهاب عسكريا وإعلاميا. وبدون أدنى شك من الخطأ التعميم أيضا على كل ما هو غربي وإلصاق به تهمة المؤامرة كما تفضله بعض الحكومات العربية المستبدة كأسهل وسيلة للإلهاء والسيطرة على شعوبها. هذه السياسة كذلك انعكست وأثرت على العقل الجمعي العربي كمتلقٍ، وكناقد، فضلا عن تأثير تأويلات الدين وخاصة السياسية منها في شيطنة وتكفير الآخر وإلصاق به تهمة العداء والمؤامرة على الدين الإسلامي. كل هذه التداخلات المعقدة دفعتني لعمل مقاربة حول واقع الإرهاب والإعلام والمتلقي.



واقع الإرهاب
بيد أن تعريف الإرهاب لم يظهر في القواميس العربية حسب شكلها وتعريفها الحالي إلا حديثا، واشتق المصطلح من الفعل المجرد "رهب" الذي كان موجودا في القواميس القديمة ويعني أرهب وخوف وأفزع(1) ، إلا أن ممارسة الإرهاب حسب المفهوم الحالي كأحد الوسائل المستخدمة في الحروب والصدام والسيطرة بين الحضارات في حروبها السياسية والجماعات الدينية في حروبها الطائفية والمذهبية، يعد فعلا قديما مارسته البشرية قديما وحديثا على مر العصور. وهذا بخلاف ما تروج له بعض القوى حاليا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقصودة أو غير مقصودة، وربط فعل الإرهاب بجماعات معينة ودين معين كأفعال ووسائل مستحدثة لتحقيق أجندتها. 

من خلال بحثي البسيط عن تعريف الإرهاب وجدت العشرات من التعريفات الرسمية لمراكز ومنظمات ومؤسسات حكومية وغير حومية، عربية وأجنبية. الغريب جدا أني لم أجد تعرفين يتماثلان في المفهوم تقريبا، وهنا تكمن أحد أهم الإشكاليات. لا يوجد مفهوم واضح ودقيق متفق عليه دوليا لتعريف الإرهاب. قد يرجع السبب وراء ذلك إلى عاملين: الأول كما أشرت له سابقا وهو أن التعريف يجب أن يتناسب مع مصالح الجهة التي أصدرت التعريف. ثانيا: قد لا يكون هذا السبب بعيدا عن السبب الأول الذي ذكرته إلا أنه أكثر تعقيدا لأنه لا يعتمد على مصالح مادية واضحة المعالم قدر ما يعتمد على عقائد يؤمن بها إنسان ويكفر بها الآخر ويرفضها وينظر إلى متبنيها كعدو أولا وإرهابي ثانيا؛ وأعني هنا العمل النضالي الثوري سواء كان باسم الوطن أو العقيدة، والطرف الآخر هو مكافح للعمل النضالي. وهناك أمثلة كثيرة أهمها في الوقت الحاضر ما يحدث بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. 

إذن ما هو الإرهاب؟ لكن قبل أن أتطرق للتعريف أود أن أشير إلى مسألة مهمة، لكيلا أقع في ذات المطب الذي انتقده سابقا عند تعريف فعل الإرهاب، أزعم أني حاولت أن أقدم تعريفا مجردا من أي مصالح شخصية وغير مبطن بعقائد سواء ثورية أو دينية. الإرهاب يعني هو جريمة يستخدم فيها العنف والقوة أو التهديد بها، ضد مدنيين، بطريقة منظمة، لنشر الرعب والرهبة من أجل تحقيق مصالح ومكاسب معينة، سواء كانت سياسية أو دينية أو عدمية. ومن خلال هذا المفهوم أستطيع أن أصنف أنواع الإرهاب الحالي كالآتي: 1- إرهاب سياسي. 2- إرهاب ديني. 3- إرهاب ثوري. 4- إرهاب عدمي. 


الإرهاب السياسي: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بسياسات سلطة ما ضد شعبها من منطلق الحفاظ على الاستقرار والأمن القومي، أو ضد شعوب أخرى من منطلق إمبريالي وقانون الغاب، القوي يأكل الضعيف. وهذا مباشرة يجرنا نحو نظرية المؤامرة التي تستخدمها السلطات المستبدة، التي أناخت بكلكلها وجثمت على صدور شعوبها منذ عقود طويلة، كشماعة لممارسة إرهابها ضد شعوبها والترويج لها عن طريق وسائلها الإعلامية في أشكال مختلفة من البروبجاندا المبتسرة، كأحد وسائل الإلهاء عن القضايا الكبرى الداخلية، والتجييش نحو فكرة وهمية غير موجودة واقعيا إلا في عقل مدبريها. وأرى أن الواقع العملي جدا مختلف؛ فقانون الغاب هو سيد الواقع، والدول القوية عتادا واقتصادا تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر بالدول الأخرى الأضعف، وتبحث عن مصالحها حتى خارج حدودها الجغرافية، وحتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة وحرمة الآخر من الدول. ولهذا بدل تجييش الشعب نحو فكرة وهمية ليبقى أسيرا لها، ويفسح المجال للسلطة في تزعم الشعب بكل أريحية تحت وطأة الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية والرؤية الاقتصادية بحجة الممانعة والتصدي للمؤامرة، على الدولة الضعيفة أن تقوي نفسها من الداخل؛ فتعزيز فكرة المواطنة وقوة التعليم وانتشار العدالة الاجتماعية ووجود رؤية اقتصادية هو أفضل دفاع وحماية لأي دولة من أي عدو خارجي متربص. وهذا ما أكده ابن خلدون في مقدمته عندما قال: "لا نلوم الخارج الذي دخل؟ بل اللوم على الداخل الذي خلق الفراغ".

ولأن العالم يدار بقانون الغاب كما أسلفت الذكر، مارست القوى العظمى شتى أنواع الإرهاب وقت الحاجة والضرورة ضد كل من يقف أمام مصالحها. هذا ما قامت به على سبيل المثال الدولة العثمانية ضد الشعوب المحيطة بها، وهذا ما قامت به النازية ضد شعوب أوروبا الأخرى، وهذا أيضا ما قامت به فرنسا ضد الشعب الجزائري المحتل يوما ما. حديثا، ما قامت به أمريكا في أفغانستان والعراق لا يختلف عن هذا المفهوم من الإرهاب. والأنكى من ذلك، ظهور منظرين لهذا النوع من الإرهاب حتى مسمى نظرية الفوضى الخلاقة! 


الإرهاب الديني: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بدوغمائيات العقيدة وتشريعات الدين نفسه التي تنظر للآخر المختلف بنظرة الكفر المباح دمه، ويتفاوت مستواه مع اختلاف التأويل للموروث الديني. ولو تحدثنا عن إرهاب الإسلاموي وهذا ما يهمني أكثر لسببين: الأول، أكثر نوعا من الإرهاب الديني انتشارا في العالم في الوقت الحالي. ثانيا، خلفيتي الإسلامية تحتم عليّ تشخيص مشكلتي وتفكيكها أولا ومن ثم المحاولة للوصول إلى حلول إن أمكن ذلك قبل الحديث عن الديانات الأخرى. بيد أني لا أنفي ولا أؤكد وجود التطرف في الأديان والطوائف الأخرى. وليس غرضي أيضا نفي أو تأكيد وجود أجندات استخباراتية خلف أي حادثة إرهابية إسلاموية، وحتى خلف ولادة أي مكون إرهابي إسلاموي. لأن كلا السياقين بعيد كل البعد عن قضيتنا الداخلية المحورية. فنقد الأول لا يعالج إشكالياتنا، ومناقشة الثاني والاستسلام لفكرة وجود المؤامرة على الإسلام والدول العربية ما هو إلا إلهاء يبعدنا عن أصل المشكلة. لكن، لو افترضنا جدلا وتجاوزا، أن كل عمل إرهابي خلفه مخطط استخباراتي؛ فلا بد من وجود مفاتيح خاصة تُستخدم لفتح أبواب تلك الأجندة. وإحدى هذه المفاتيح "التأويلات الإرهابية للموروث الإسلامي". بالمختصر، لو لا وجود مفاتيح سهلة يستطيع استغلالها العدو لما حدث ما حدث.(2)

ولو أخذنا الحالة العراقية كمثال على الإرهاب الديني بين المذاهب، سيتضح جليا لنا تداخل الإرهاب السياسي الخارجي والداخلي مع الإرهاب الديني. وعلى الرغم أن الإمبريالية الغربية لها دور في تطور هذا الوضع الدموي، إلا أن الخلافات المذهبية والمذابح الدموية المازوشية بين الطوائف الإسلامية مع بعضها بسبب التأويلات الإرهابية عميقة وقديمة جدا. من المغالطة أن ننكر أثر العدوان الأمريكي في تفاقم الوضع، بيد أن العدوان لم يخلق هذه التأويلات المتطرفة الدموية، بل كان موجودا في كل بيت وكل عقل مسلم تقريبا. فقط كان مكبوتا بالقوة في أوقات ما. ولهذا نحن لا نريد علاجا سطحيا يدغدغ مشاعر المسلمين المهزومين معنويا وماديا قدر ما نريد علاجا يعالج أصل المشكلة، لأن إلقاء اللوم على الآخر لا يعالج المشكلة إطلاقا وستبقى ثغرة يستخدمها العدو دائما.

وكما قلت سابقا في عدة مناسبات، "الارهابي الإسلاموي مريض نفسي. الشخص الداعشي حسب التوصيف الجديد إعلاميا للإرهابي المتأسلم، أو المنتسب للإسلام كما يفضل البعض من المسلمين التوصيف؟ أرى أنه كائن مشوه بعقد نفسية جاءت نتيجة عدة عوامل مرتبطة لا يمكن فصلها عن بعض. هذه العقد تدفع بصاحبها لأخذ منحى انفعالي لاشعوري للقيام بتصرفات غير واعية باتجاه الأسباب المكونة والمولدة لتلك العقد. وأرى أن جميع التنظيمات الإسلاموية التي ظهرت بعد الصحوة الإسلاموية تشترك في المكون نفسه. جميع منابعها متشابهة التي يمكن حصرها في أربعة أسباب رئيسة: 1- استبداد حكام العرب (الاستبداد الداخلي)، 2- استبداد الغرب على الشرق (الاستبداد الخارجي)، 3- طموحات عودة الخلافة الإسلامية المقدسة المزعومة، 4- الموروث الدموي في كتب التاريخ والسنة (والقرآن حسب فهم بعض الفرق الإسلامية). وطبيعة هذه الأسباب المكونة لظاهرة داعش المتداخلة مع بعضها التي يصعب فصلها سواء على مستوى التشخيص أو العلاج."(3)


الإرهاب الثوري: هو إرهاب غير واضح المعالم لأن صاحبه ينظر إليه كعمل نضالي وثوري وأحد الأدوات التي تنطبق عليها النظرية الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، بينما يصنفه الواقع عليه الجرم، ومكافحُه بأنه عمل إجرامي وإرهابي. وبغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي قد تكون مهمة ومفصلية، إلا أن الأهم هو المبدأ الذي لا يمكن أن يتجزأ؛ فكل عمل عنيف يُستهدف فيه المدنيون بالقتل أو التهديد بغض النظر عن فاعله وغايته وتوجهاته، هو بدون أدنى شك عمل إرهابي. وغالبا في مثل هذا النوع من الإرهاب تجد كلا الطرفين يمارسان الإرهاب ضد الآخر مبررين ذلك بغايتهم النبيلة. والأمثلة كثيرة على ذلك: أشرت سابقا على الصراع الدائر بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كذلك ما يحدث بين الحكومة السورية والثوار بمختلف توجهاتهم وعقائدهم، وكذلك ما يحدث في ليبيا بين أطراف الصراع. وقديما ممكن أن نستدل على الثورة الفرنسية والروسية والبلشفية بعد ذلك بين الحكومات والثوار. وينطبق الحال كذلك على سبيل المثال على منظمة فدائيي أمريكا، والألوية الحمراء وجماعة بادرماينهوف.


الإرهاب العدمي: هو ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بالفرد نفسه دون وجود أجندات منظمة تدار من جهات معينة. وليس من المنطق أن يصل إنسان لهذا المستوى من التوحش والمازوشية إلا إذا كان يعاني من أمراض نفسية جاءت نتيجة عقد ما. وقد يُستخدم هذا النوع من الإرهاب في تحقيق رغبات وغايات الإرهاب الديني والسياسي والثوري، كأحد الوسائل السهلة في توظيفها لتطبيق تلك الأجندة مثل ما أشرت على سبيل المثال في توصيف الإرهاب الداعشي. ومؤخرا حدثت في أوروبا عدة حالات إرهابية فردية لأسباب مختلفة مثل ما حدث في ألمانيا المعروف إعلاميا بهجوم ميونخ الذي راح ضحيته 9 قتلى من المدنيين. وكذلك الهجومان اللذان تم تنفيذهما بالساطور في ألمانيا وراح ضحيتهما قتيلة وعدة جرحا.



واقع الإعلام
من ضمن الحادثتين اللتين ذكرتهما وتم تنفيذهما بالساطور، إحداهما قام بها شاب أفغاني طالب للجوء في ألمانيا ويبلغ من العمر 17 عاما على ركاب قطار مدنيين. ما لفت انتباهي وأنا أتصفح صحيفة "الجارديان"، التي أثق في موضوعيتها بشكل أكبر كصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية من الصحف الكبرى الأخرى، عنوان تقرير الحادثة التي أشرت إليها وجاء كالآتي "مراهق يهاجم ركاب قطار بساطور وسكين في ألمانيا"، وذكرت بقية التفاصيل في محتوى التقرير. ما استوقفني في هذا التقرير هو تحرر السياسة التحريرية للصحيفة من التوجه العام المسيطر عليه بشكل أكبر هاجس الإرهاب الإسلاموي. كان بإمكان أن تعنون الصحيفة تقريرها كالآتي "إرهابي مسلم من أصول أفغانية يهاجم ركاب قطار في ألمانيا". هل هذا العنوان خاطئ؟ طبعا لا، لكن في المناخ الإعلامي الدولي الحالي سيعطينا مباشرة شعورا بأن الصحيفة أسيرة هاجس الإسلاموفوبيا مثل ما وقعت في هذه الإشكالية معظم الصحف والقنوات الأجنبية الكبرى الناطقة باللغة الإنجليزية. ولهذا لاحظ الكثير من متابعي هذه الصحف والقنوات تباينها وعدم موضوعيتها في طرحها لمثل هذا النوع من الأخبار متأثرة بالمناخ السياسي العام وتفسيرات الدول الكبرى لمعنى الإرهاب. فعند أي حادثة إجرامية إرهابية قام بها مسلم، تسارع هذه الوسائل الإعلامية في توصيف الحادثة بأنها عمل إرهابي ومن قام بها شخص إرهابي، حتى تطور الوضع أكثر ليأتي هذا الحكم قبل الانتهاء من التحقيقات. لكن من جهة أخرى لو قام بهذه العملية غير مسلم سيذكر الخبر بشكل هامشي ولن يعطى المقدار نفسه من التسليط الإعلامي، وسيوصف الفاعل أنه فقط مختل عقلي، ما دام غيرَ مسلم. 

بيد أنه حتى بعض القنوات والصحف العربية الكبرى لم تسلم من هذه الفوبيا لكن بشكل معاكس؛ فحاولت تجييش الشارع العربي وليس فقط للفت انتباهه للإشكالية التي ذكرتها. فوصل الحال عند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم يتم التبرؤ من الفاعل بالمطلق وأن ليس للإسلام أي صلة بالحادثة وما هي إلا نتائج الإرهاب الغربي على الإسلام والمسلمين. والمعيب جدا أن يصل الحال لدرجة الشماتة دون أي نوع من الاستنكار للفعل الإرهابي المشين. السؤال الأهم: هل سينتهي هذا النوع من الإرهاب بهذه المعالجات السطحية والساذجة؟!



واقع المتلقي
المتلقي الغربي بحكم معاشرتي له هو ضحية كغيره من المسلمين والعرب لأجندات الإعلام والسياسات الدولية. ومثل ما يوجد هناك أناس في دولنا تحرروا من هذه القبضة كذلك الحال عند المتلقي الغربي. لكن المحزن هو نسبة هؤلاء الناس الواعين المدركين للواقع مقارنة بالبقية الأخرى. لا أستطيع أن أقول إنها نسبة قليلة ولكن أيضا ليست الغالبية العظمى. واتضح لي هذا من خلال نقاشاتي وحواراتي مع العديد من الأصدقاء والمعارف من جنسيات غربية مختلفة. لكن الجميل عند معظم هؤلاء وقت محاورتهم أن مداركهم غير مسورة بمقدسات تمنعهم من التحاور بشكل سلس؛ فالحجة والبرهان هو الميزان والكفة الحاسمة في نهاية أي حوار، بخلاف ما يحدث عند حوار عربي مع عربي آخر في الغالب!

ننتقل إلى المتلقي العربي أو بالأصح صورة معينة من صور المتلقي العربي. مؤخرا ظهرت عدة أسماء في مواقع التواصل الاجتماعي عبر صفحاتها الشخصية بدأت تقدم نقدا ساخرا عبر نشر مقارنات لأحداث وقضايا وشخصيات أحدها تمثل العالم الإسلامي والعربي والأخرى في النقيض تمثل العالم الغربي المتقدم. وخلافا للعادة، هذه المقارنات تحاول أن تظهر الجانب القبيح للحضارة الغربية والجانب المشرق للعالم الإسلامي والعربي. ورغم امتعاض البعض من هذا النوع من النقد إلا أني لاحظت هناك أيضا تعاطفا وإعجابا من عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ليس بالهين. وشخصيا أراها ردة فعل صحية وأناصرها لأنها ستخلق توازنا رغم عدم موضوعيتها في طريقة تفكيك الصورة للجانب الغربي في أحيانا كثيرة، وهذا ما ينقصها. وأصفها بردة الفعل لأنها أتت كنتيجة للتقديس الأعمى للغرب وجلد للذات بشكل مفرط من قبل البعض قد يكون سببه أيضا عدم فهم وتفكيك مفهوم "الغرب". لذا تفكيك مفهوم "الغرب" الذي نعجب به كثيرا ونكرهه في ذات الوقت كثيرا، مهم جدا. لكن لماذا هذه الازدواجية في الصورة وما سببها؟! فنجد هناك ثمة من يحارب كل ما هو غربي، لأنه فقط غربي! وهل الغرب بضاعة في محل بيع بالجملة، لكي تشرتيها بالكامل أو ترفضها بالكامل؛ فهناك إمبريالية نرفضها وننددها، وهناك تكنلوجيا نحتاجها ونتعلمها، وهناك مجتمع المدني نتشارك ونتعاون معه، وهناك عادات وتقاليد يأخذ ويرفض كل فرد منها حسب قناعاته الفردانية الخاصة. 

هذا المتلقي ذاته وقع أسير هاجس الغربفوبيا؛ فعند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم تكون ردة فعله واحدة ومحددة. في البداية مباشرة سيحاول أن يبرئ الإسلام من ذلك الفعل الإرهابي المشين. ثانيا، وهي مرحلة "مؤسفة" أن يصل حال البعض لهذا المستوى من الانحطاط للأسف، أن يحاول تبرير الدم البريء بدم بريء آخر حتى دون أي نوع من الاستنكار! وكان الأوجب كمتلقٍ من هوية إسلامية، وكإنسان أولا، اتخاذ موقف أخلاقي برفض الإرهاب بكل أشكاله، بالمطلق. ومن ثم يأتي باب النقد عن طريق تشخيص المشكلة والمحاولة في تفكيكها وإيجاد الحل إن أمكن، بدل الانشغال في البحث عن المبررات؛ فالإرهاب الإسلاموي هو تراثنا الدموي، وإسلامنا السياسي، واستبداد حكامنا، وإمبريالية الغرب.

هناك مشكلة أخرى يعاني منها المتلقي العربي والمسلم، أنه عالق بين فريقين: الأول والأوسع يريد الماضي والأموات أن يحكمونا. والفريق الآخر والأقل يريد المستقبل وتهميش التراث أن يحكمنا، وبين هذا وذاك المسلمون ضائعون. ومن الأفضل والأنفع ألا نتجاوز الموروث الإسلامي وتأويلاته الإرهابية، لو أردنا تجاوز عواقبه وأضراره. يجب أن نفككه بمنهجية النقد التاريخي والفيلولوجي ونكسر التابوهات ونصهر المقدسات.

أختم مقالتي برسالة بسيطة لكن مهمة جدا للارتقاء بحسنا الإنساني: من العار أن نبرر الخطأ بخطأ آخر! ومن العار أن نبرر الدم البريء بدم بريء آخر! ومن العار أن نبرر الظلم بظلم آخر. أليس هذا هو منطق الاستبداد؟! أليس هذا هو منطق الإرهاب؟! ولأن الأخلاق مطلقة، ولأن المبادئ لا تتجزأ؛ وجب رفض الإرهاب مهما اختلف المكان، وتعددت الأسباب، وتنوعت الأهداف، وتباينت المنطلقات والآيديولوجيات، يبقى الإرهاب واحدا والنتيجة واحدة. 


....................................................

الهوامش:

1- انظر: د. لمياء الطويل، الفرق بين الجهاد والإرهاب، موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية:


2- انظر: محمد الفزاري، قراءة: داعش بين الواقعية الكوسموبوليتية والتنظير الإسلاموي اليوتوبي، مجلة مواطن، العدد 24:


3- المصدر السابق




نقلا عن مدونتي نشر المقال في صحيفة الخليج العربي

13‏/08‏/2016

فجوة الاستقرار بين توقعات وثقة الشعب.. قضية الزمن نموذجا - محمد الفزاري

مؤخرا شهد الشارع العماني حدثا قد يكون الأكثر وقعا وصخبا بعد أحداث الحراك العماني أو الربيع العماني سنة 2011، تأثرا بأحداث الربيع العربي، وقد يكون الأول من نوعه على مستوى الصحافة العمانية. وفي الحقيقة لا يختلف واقع هذا الحدث عن الحراك سنة 2011 من حيث جوهر الفكرة. حيث صرخ الشعب سابقا وصرخ اليوم بأعلى صوت مع اختلاف الوسيلة "كفاية فساد". اللافت في الأمر أكثر أن تصل شبهات الفساد إلى القضاء، والمحبط أكثر أن يصل إلى هرم أعلى سلطة قضائية. ورغم ظهور مواطن عماني عُرف باسم مظاهر التاجر من منفاه الاضطراري قبل قرابة عام ونصف في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" مؤكدا فساد عدة مسؤولين يعتلون أعلى السلطات في الدولة ومن بينهم رئيس المحكمة العليا ورئيس الادعاء العام، وتعاطف ومتابعة عشرات الآلاف من المواطنين للقضية عبر حسابه الشخصي، وتغطية مجلة مواطن العمانية للقضية، إلا أن ما حدث مؤخرا من شد وجذب بين المواطنين حول ما نشرته الزمن من تفاصيل وحقائق تدين فيها هرم أعلى سلطة قضائية ورئيس الادعاء العام تعد سابقة وضربة مؤلمة لعصر النهضة العمانية كما تفضل الحكومة العمانية الرشيدة أن تطلق عليها، لا سيما بعد ما نشرت شهادة نائب رئيس المحكمة العليا مؤكدا فيها صحة تورط المسؤولين بقضايا فساد ورشوة ومخالفة النظام الأساسي للدولة.

بيد أن ردة الفعل التي اتخذتها السلطة، وهنا لا أعني الحكومة، لا تقل دهشة عما نشرته الزمن في أولى صفحاتها في ثلاثة أعداد متفرقة، عندما اعتقلت رئيس تحرير الصحيفة ومسؤول التحرير وأبرز صحافييها وإحالتهم للمحاكمة، وتوقيف الصحيفة عن العمل وإغلاق موقعها الإلكتروني، ورفع الحصانة عن نائب رئيس المحكمة العليا للتحقيق معه. وإصدار بيان من وكالة الأنباء العمانية الرسمية باسم "مصدر مسؤول" يتحدث فيه عن حرية التعبير وأخلاقيات الصحافة في الوقت الذي يغيب صحفيو الزمن خلف القضبان ويتم توقيف الصحيفة عن العمل، واللافت في الأمر أن هذا المصدر المسؤول لم يصرح عن اسمه! وما يهمني أكثر كمتابع لهذه القضية منذ بدايتها طبيعة الموقف الشعبي من القضية، كذلك غياب دولة المؤسسات عن متابعة سير مجرياتها، وهذا ما سأحاول تفصيله في الأسطر القادمة.



الموقف الشعبي 
من الصعب أن نفصل بين قضية الزمن وما نشرته من ملفات فساد وقضية المواطن مظاهر التاجر، حيث إن المسؤولين المتهمين في صفحات الزمن سبق أن اتهمهم مظاهر التاجر بالفساد. ولهذا عنونت الزمن أولى صفحاتها في أول عدد حول القضية: رئيس المحكمة العليا في الواجهة من جديد بعد "قضية مظاهر"، جهات عليا تغل يد العدالة، فضلا عن أن بعض أدلة الفساد التي نشرتها الزمن سبق للتاجر نشرها. قبل عام ونصف نشرت مجلة مواطن في عددها السادس العاشر نتائج استطلاع قامت به المجلة بمشاركة 816 مواطن، استطلعت من خلاله رأي الشارع من قضية التاجر. وجاءت أبرز النتائج كالآتي: 80% من المشاركين يعتقدون أن القضية عامة ترتبط بحقوق المواطنين. 65% من المشاركين بعد متابعتهم تفاصيل القضية يدعون الحكومة إلى محاسبة المسؤولين المتهمين. 76% يرون أن هناك انتهاكات قانونية تمس حقوق المواطن شبيهة بالانتهاكات التي تحدث عنها التاجر. وفي استطلاع قام به التاجر مؤخرا عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي تويتر بمشاركة 7960 صوت، طلب 93% من المشاركين تدخلا عاجلا من السلطان لأن الموضوع في غاية الخطورة حسب رأيهم. وفي استطلاع آخر قام به التاجر أيضا بمشاركة 3936 صوت، أكد 94% من المشاركين بوجوب تنحية ومحاسبة المتورطين بعد تأكيد نائب رئيس المحكمة العليا حقيقة تورطهم. 



غياب المؤسسات وتغييب الشعب
لا ينكر عاقل التأثير الكبير الذي أحدثته القضية بين أوساط المجتمع العماني، وأصدق دليل على ذلك عدد المتابعين لحساب التاجر عبر موقع التواصل تويتر الذي تجاوز 100 ألف متابع. مع الـتأكيد أن الحساب غير مهتم لأي شأن آخر إلا متابعة مجريات هذه القضية، فضلا عن التداول اليومي الضخم لأخبار القضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن القضية باتت قضية رأي عام، وتم إيقاف أحد أبرز الصحف اليومية الخاصة الذي لفت انتباه المجتمع الدولي للقضية لاسيما المنظمات الحقوقية وبعض الصحف العالمية، إلا أن هذه القضية أوضحت للمواطن بشكل جلي غياب دولة المؤسسات. لم يكن هناك أي حراك لمجلس الوزراء، ولم يكن هناك أي حراك للبرلمان! وبين ليلة وضحاها تقوم سلطة مجهولة باسم "مصدر مجهول" بالانقلاب على إرادة الشعب ولم تبال لكل تلك المئات من الآلاف من أصوات الشعب وضربت بها عرض الحائط. وهذا ما عده الكثير من المواطنين انقلابا على إرادتهم وتهميشا لدعوتهم في تدخل السلطان قابوس لحل المشكلة. كل هذا دفع بعض المواطنين لتساؤلات مشروعة، أين السلطان قابوس عن كل ما يجري في البلد؟! من الجهة التي تدير شؤون البلد التي عرفت نفسها "بالمصدر المسؤول"، لا سيما في هذه المرحلة الحرجة من عمر عمان التي قد تشهد انتقالا للسلطة في أي وقت ما؟! 



قابوس المشكلة والحل
هل عدم معرفة السلطان قابوس بسير مجريات أحداث البلد وحتى أهمها وأضخمها بحكم مرضه، يعفيه من المسؤولية الإدارية والقانونية والأخلاقية، ونحن نعلم أن السلطان قابوس هو من رفض التنازل عن أي من صلاحياته ومناصبه التي يحتلها بجانب كونه قائد البلد مثل: رئيس الوزراء، ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، ووزير المالية والخارجية والدفاع، وغيرها من المناصب الأخرى، وهو من عين ويستطيع هو فقط إقالة كل الأسماء المتورطة في شبهات الفساد؟ لكن لنفترض خلاف ذلك، السلطان يعلم بتفاصيل كل ما جرى وما يجري، ما هو الموقف الشعبي من ذلك لا سيما أن غالبية الشعب وحتى مسؤولي صحيفة الزمن كانوا ينتظرون تدخله لحمايتهم وإرجاع هيبة القضاء والدولة. أليس كان من الأولى تنحية كل المسؤولين الذين طالتهم شبهة الفساد، تلبية لرغبة ومشاعر جماهير الشعب؟! ولهذا السبب هناك فجوة كبيرة تتسع كل يوم بين مستوى سقف توقعات الشعب ومدى ثقتهم بالحكومة والسلطان. وأزعم أنها في أعلى مستوى لها ووصلت لمرحلة خطيرة قد تربك الاستقرار خاصة بعد شغور منصب السلطان. وكل المعطيات تشير إلى أن السلطة لم تتعلم من الدرس السابق، وأعني حراك 2011 عندما اتكأت على مستوى الخوف الذي زرعته في نفوس المواطنين طوال السنوات ٤٠ السابقة وأيضا على مستوى سيطرتها على المعلومة، ولم تتوقع نهائيا قدرة الشعب في التعبير عن غضبه ميدانيا. لكن هل من المعقول أن من كان جزءا من المشكلة وساهم في تفاقمها ولو كان بصورة غير مباشرة، أن تحال له المشكلة لحلها؟ هذا الرهان كان ما زال موجودا قبل انقلاب "المصدر المسؤول" على إرادة الشعب. السؤال الآن هل ما زال موجودا؟!



عمان الغد
بيد أنه بعد كل ما حدث من امتهان لكرامة المواطن ومحاولة تغييب وتهميش صوته عمدا، هل أدرك المواطن العماني بالتجربة العملية أن عمان ليست دولة مؤسسات كما تزعم سلطتها، بل يتحكم في مفاصلها مجرد شخوص؟ هل أصبحت صورة الفساد وحجمه وعمقه في الدولة، وما هي مصادره ومن هي رؤوسه، واضحة المعالم؟ وبالرغم من حالة التشاؤم الشعبية التي تلت مباشرة انقلاب المصدر المسؤول إلا أني متفائل بأن المواطن بات يدرك أهمية وجود دولة المؤسسات بدل الاعتماد على تدخل السلطان في حل مشاكله، ورفع سقف مطالبه، من مطالب فرعية في إزالة الشخوص إلى مطالب أساسية وجوهرية تضمن له كرامته وحقوقه وأمنه وحريته والمحافظة على أمواله. وأكبر برهان على ذلك ما حدث في حراك 2011 عندما طالب المتظاهرون بتغيير بعض المسؤولين وتمت إقالتهم، هل عمان صعدت للأفضل؟! هل حجم الفساد تقلص؟! فأزمة عمان ليست مع الشخوص قدر ما هي مع النظام الذي يساعد في فساد واستبداد المسؤول ولو كان صالحا. لهذا، الدعوة لإقالة الفاسدين يجب ألا تنسي المواطن المطالب الرئيسة والأهم التي ستوجد مزيدا من النمو والشفافية والرقابة مثل مطلب الدستور التوافقي الضامن لوجود سلطنة دستورية، ومحكمة دستورية، وفصل تام للسلطات الثلاث، مع إعطاء البرلمان الصلاحيات التشريعية والرقابية الكاملة.

وأختم حديثي برسالة إلى من ينظر إلى السلطان كأب ووجب احترامه وتجاوز تقصيره وهفواته. لا أحد يستطيع أن يمنعك من حب قائدك، لكن إسقاط مفهوم الأبوة على الحاكم بهذه الطريقة يلغي مفهوم دولة المؤسسات، التي تنادي بها. الدولة ليست أسرة، وعلاقة والد بأبنائه، بل علاقة حاكم بمحكومين، كل له حقوق وعليه واجبات، والرقابة تقع على الطرفين. كيف نطالب بدولة حديثة تكون المواطنة مركزها، والمؤسسات منهجها ونحن نسقط مفهوم البيت وطبيعته الأسرية على طريقة إدارة الدولة؟! ولهذا المواطن ليس مجبرا أن يحب قائده، قدر ما عليه تنفيذ واجباته اتجاه بلده. وإذا أحبه لا يعني أن يتناسى أخطاؤه لأن اختفاء الرقابة يعني سقوط دولة المؤسسات.


نشر المقال في صحيفة السفير اللبنانية

12‏/07‏/2016

الجماعات العلمانية في الخليج العربي أي واقع وأي مستقبل؟ - محمد الفزاري


فلسفياً، تعني العَلمانية -بفتح العين- الاهتمام بكل ما له علاقة ومنتمي إلى العالم والدنيا دون النظر إلى العالم الروحي الميتافيزيقي، بخلاف ما يعتقد به البعض عندما يربط ويحصر مفهوم المفردة بالعِلم فقط. واصطلاحاً، أبسط تعريف لها هي شكل من أشكال إدارة الدولة الذي يقوم بفصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية ورجالاتها ويكون جميع المواطنين بمختلف أعراقهم ومعتقداتهم متساوين أمام القانون في الواجبات والحقوق بحكم المواطنة.

ويقول ديفيد بولوك، عضو في مجلس أمناء الرابطة البريطانية الإنسانية، في عنوان مقالته في الجارديان: “العلمانية هي الحياد تجاه الدين كله بما في ذلك الإلحاد”. وهذا يعني أن العَلمانية ليس هدفها محاربة الدين، مثل ما يفهم البعض، قدر ما هو تحييد للدين ورجالاته عن السياسة وشكل إدارة الدولة والوقوف في مسافة واحدة من جميع المواطنين باختلافاتهم.

وفي وقتنا الحالي، معظم دول العالم وفي مقدمتها الدول الديمقراطية الكبرى تطبق العَلمانية في شكل إدارة الدولة. ورغم أن مفردة العَلمانية لم تذكر حرفياً في كثير من دساتير هذه الدول إلا أنها لم تحدد في ذات الوقت ديناً معيناً للدولة، وهذا أول وأهم مبدأ تقوم عليه العَلمانية. بيد أن هناك جدل ولغط كبير يدور حول مصطلح “العَلمانية” وتطبيقاتها في العالم الإسلامي العربي بشكل عام والخليجي بشكل خاص. وبسبب حساسية وقعها المفرط على المتلقي بات كثير من المفكرين والكتاب العرب أصحاب التوجه الليبرالي والعَلماني يتجنب في أحيان التصريح بها ويستعير بدلاً منها مفردة “المدنية” مخافة الصدام أو بهدف محاولة تعزيز فائدة تطبيقات الدولة العَلمانية عند المتلقي دون أن تكون مفردة العَلمانية عائقاً أمام ذلك.

في هذا المقالة سأحاول عمل مقاربة لواقع ومستقبل الجماعات العلمانية في دول الخليج العربية وفرص تموضعها داخل الأنظمة السياسية.



الواقع

بعد الإخفاق المرير للآيديولجيات القومية والشيوعية وشعارتها الخاوية التي قامت بشكل أكبر على الغوغائية وليس البعد الإبيستمولوجي، خاصة بعد هزيمة 67 والنكسة الجيوسياسية والمعنوية التي صاحبتها مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وتوسعه المستمر، نتج عن ذلك صحوة إسلامية وظاهرة تدين سلفي وراديكالي بصفة عامة، وظهور آيديولوجيا الإسلام السياسي كبديل لتلك الآيديولوجيات السابقة التي يزعم منظروها وساستها أنها الحل الأنجع لجميع مشاكلنا وأزماتنا العربية الإسلامية.

ولم يكن الخليج العربي بمعزل عن كل هذه التطورات وخاصة ونحن نعلم أن أهم وأكبر دولة خليجية هي السعودية التي تعتبر المصدِّر الأكبر للفكر السلفي. هذا الواقع أدى إلى انسداد ابستمولوجي شعبي على مستوى العقل الجمعي وبات يرفض أو يتوجس من كل ما هو غربي تحت حجة قضية المؤامرة أو في أحايين كثيرة مجرد جهل ونقص في المعلومة كما يحدث مع مفردة العَلمانية. وفي الحقيقة ساهم زاعمو النهج العَلماني في غرس الكثير من المغالطات في ذهنية رجل الشارع البسيط المتمسك والمدافع عن دينه حول ماهية الَعَلمانية وتطبيقاتها بسبب ضعفهم الابستمولوجي حول النهج الذي يزعمونه واعتمادهم على الغوغائية في الطرح لا يختلف عن غوغائية الكثير من القوميين الشيفونيين والشيوعيين الدغمائيين سابقاً.

ولهذا، من أهم التحديات التي يواجهها المواطن الخليجي العلماني الحقيقي الذي ينطلق من منهجية معرفية راسخة هي قضية عدم وجود الثقة بينه والمتلقي. لا سيما في وجود تقارب وتقاطع مصالح بين السلطات السياسية والدينية تصل قمة ذروتها في الحالة السعودية كزواج مقدس بين السلطتين. كل هذا أدى إلى وجود مساحات كبيرة يتحرك فيها رجل الدين السلفي بحرية لنشر أفكاره وآرائه لا سيما عبر الإعلام.

ومن ضمن الأخطاء والمعضلات التي وقع فيها بعض من يحملون رايات المشاريع المدنية والتقدمية من مفكرين وكتاب عندما وضعوا خيارهم وولائهم بين فكي كماشة، بين ثنائية الدولة الدينية و(العسكرية أو دولة الفرد أو الأسرة)، والذي حسب منظورهم يقع تفضيلهم واختيارهم على أقل وأخف الضررين، الخيار الثاني. ولد هذا إلى أزمة ثقة وقلة مصداقية بينه وبين المواطن البسيط الذي لا يهمه إلا المطالبة بأبسط حقوقه.

هذا على مستوى العقل الجمعي الشعبي، بيد أن هناك أيضاً إشكالية وتحدي آخر تواجهه الجماعات العلمانية في الخليج، وهو عدم وجود مشاركة سياسية فعلية عبر وجود أحزاب سياسية تنطلق من رؤى ومناهج وآيديولوجيات من ضمنها العلمانية، باستثناء تجربتي الكويت والبحرين. لذا المقصود هنا بالجماعات العلمانية ليس أكثر من أفراد يتحركون بشكل فردي ويتقاطعون بقناعات متماثلة أو متقاربة. وعدم السماح بتأسيس والعمل في أحزاب بهدف المشاركة السياسة ساهم بشكل كبير في تقليل أو حتى عدم تأثير وفعالية الفرد العَلماني في المجتمع بأفكاره فضلاً عن قدرة تموضعه المؤثرة وفعاليته في الحكومات. حيث أن الأحزاب بطريقة عملها التنظيمي الممنهج القائم على برامج سنوبة أكثر قدرة على الضغط والتأثير.

أضيف، أن هذا الواقع أدى إلى وجود ديمقراطية شكلية على مستوى البرلمانات في دول الخليج لا تتجاوز الصندوق -على الرغم أن معظم هذه البرلمانات أيضاً هي شكلية فقط وتفتقر للصلاحيات وهذا موضوع آخر- حيث أنها قائمة على الأكثرية والأقلية الطائفية والقبلية وليس الأكثرية والأقلية السياسية. نتيجة عدم وجود الأحزاب السياسية وكذلك عدم وجود عَلمانية في شكل إدارة الدولة بتبنيها دين ومذهب يمثلانها.



المستقبل

في حوار مع صحيفة (لوموند) الفرنسية عن تحول مسار حزب النهضة التونسي القائم على فلسفة الإسلام السياسي، صرح راشد الغنوشي زعيم النهضة وأحد أهم منظري الإسلام السياسي في تونس والعالم الإسلامي قائلاً: “نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المسلمة. نحن مسلمون ديمقراطيون، ولا نعرف أنفسنا بأننا إسلام سياسي”.

وأكد الغنوشي أن النهضة “حزب سياسي، ديمقراطي، ومدني له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية”. وأضاف: “نريد أن يكون النشاط الديني مستقلاً تماماً عن النشاط السياسي. فهذا أمر جيد للسياسيين لأنهم لن يكونوا مستقبلاً متهمين بتوظيف الدين لغايات سياسية. وهو جيد أيضاً للدين حتى لا يكون رهين السياسة وموظفاً من قبل السياسيين”.

نلاحظ أن الإسلام السياسي عندما كان في صف المعارضة كان يغطي فجاجته بالمظلومية وكان يكابر ويضع نفسه فوق الانتقاد لأنه الممثل الأعلى للدين والناطق به. لكن عندما أصبح في وضع الحاكم في أكثر من جغرافيا، بانت نواقضه وظهرت فجاجته وتأخره وانفصاله الابستمولوجي والكوسموبوليتي؛ فكان لابد أن يلعب السياسة بانتهازيتها ويتنازل عن كل مبادئ “الإسلام السياسي”، ليبقى متشبثاً لأطول فترة ممكنة.

ذكرت أن أهم التحديات التي يواجهها الفرد العَلماني يمكن تصنيفها على مستويين: الأول ابستمولوجي، والثاني سياسي. المثال الذي ذكرته يعطينا صورة ومقاربة أن التغيير لا يمكن أن يحدث قبل أوانه، قبل أن تتوافر كل الأسباب والظروف الدافعة للتغيير. القرار الذي اتخذه حزب النهضة ليس بالقرار السهل الذي من الممكن أن نعتبره مجرد مناورة سياسية ليس إلا. هي خطوة كبيرة باتجاه العَلمانية -عدوهم اللدود- ولو لم يصرحوا بذلك. بتفاؤل مفرط هذا التغير سيكون مؤثراً في قادم السنوات على الإسلام السياسي في الوطن العربي والإسلامي بشكل عام لأنه سيقلل من وطأتهم على دعاة العَلمانية والأحزاب العلمانية في الكويت والبحرين. وسيجد المواطن نفسه أمام أحزاب تتقارب في الطرح لا يوجد من يدعي الناطق باسم الدين والحقيقة الدوغمائية المطلقة، وهذا سيصب في مصلحة الجماعات العلمانية وزيادة فرصة تموضعها داخل الأنظمة السياسية، وهذا ما عنيته بالبعد الابستمولوجي.

وأضيف بتفاؤل مفرط آخر أيضاً، هذا التحول قد يكون مؤثراً حتى على مستوى القيادات في الخليج الذي سيدفعهم للتغيير وعلمنة الدولة، خاصة إذا اجتمعت ظروف أخرى مثل الضغط الشعبي المنظم للمطالبة بعمل إصلاحات سياسية تصل على مستوى عَلمنة الدستور، ليبقى أيضاً متشبثا لأطول فترة ممكنة، وهذا هو البعد السياسي.





21‏/05‏/2016

لماذا أختلف مع بياني عبدالله حبيب وسليمان المعمري لا شخصيهما؟ - محمد الفزاري

هذه التدوينة عبارة عن منشور فيسبوكي ردا على منشوري الصديقين العزيزين محمد العجمي وإبراهيم سعيد.


قبل دخولي في سبات فيسبوكي جديد، أحببت أن أعبر عن وجهة نظري حول منشوري الصديقين العزيزين الأستاذ محمد العجمي والأستاذ إبراهيم سعيد الموجودة صورتهما أسفل منشوري هذا في التعليقات. في البداية أنا سعيد بمثل هذا الحوار والاختلاف الراقي في تعدد وجهات النظر الذي يناقش الأفعال والمواقف فقط بكل احترام وتقدير بعيدا عن الشخصنة. ولأني من ضمن الموجه لهم خطاب العتاب في كلا المنشورين بحكم مشاركتي في حملة النقد والامتعاض، ولأني أمثلني فقط سأتحدث باسمي. عندما اتخذت موقفا عبرت فيه عن حزني وانزعاجي بعد قراءتي بيان الأستاذ العزيز عبدالله حبيب عندما تم الإفراج عنه، وكذلك الموقف نفسه من الانزعاج بعد قراءتي بيان الصديق العزيز الأستاذ سليمان المعمري بالأمس، لم يكن هذا الموقف يناقش قيمة وقدر العزيزين كأشخاص قط، ولا يناقش قيمتهم الثقافية وقاماتهم الإبداعية التي أحترمها وأجلها ولا يختلف اثنان على ذلك، وأراني تلميذا أمام هاتين التجربتين.

عندما بعثت رسالة بريدية خاصة لأحد الأصدقاء المقربين المشترك بيني وبين حبيب لأواسيني وأعزيني معبرا فيها عن حزني وطارقا باب الشك حول ما آل إليه فهمي ومتسائلا عن مدى صحة موقفي*، وكذلك عندما نشرت بالأمس منشورا ساخرا، مباشرة بعد نشر سليمان بيانه وقراءتي له، يحتوي على رمزي "الديتول" و"الكرك" كإشارة للبيانين -الذي لم أتوقع انتشارهما لهذه المستوى بعد ذلك وهذا إن دل يدل على مدى استياء الجمهور من متابعيهم ومحبيهم من موقفهم وليس من شخصهم- كنت على ثقة بفهم وتفهم كلا الأستاذين وما زلت أراهن على ذلك أنهم لم ولن يستقبلوا النقد كأنه تجريح في شخصهما قدر ما هو تعبير عن رفض لفعلهما وموقفهما فقط فقط بعيدا كما قلت عن شخصهما ولا يمس قيمتهما الثقافية والإبداعية. كمحمد كنت أيضا سأتخذ ذات الموقف مع ذات الفعل لو صدر من طرف آخر لأن هذا الموقف متعلق بالمبادئ ودفاعا عنها وليس لها علاقة بالشخوص البتة.

ما زلت أدين أعتقالهما كما أدنته سابقا، وسأدينه غدا لو تم اعتقالهما من جديد أيضا، لأن المبدأ لا يتجزأ وليس له علاقة بالشخوص. نعم أحترم وجهة نظرهما قبل السجن وبعد السجن. لكن الاحترام لا يعني عدم الانتقاد، وجميعنا غير منزه من الانتقاد وغير معصوم عن الخطأ. ولهذا رغم عدم موافقتي الكلية لما كتبه حبيب في المنشور الذي تسبب في اعتقاله ومعي تحفظات شخصية عليه، لكن هذا لم يمنعني من تنديد واستنكار تقييد حريته ومصادرة حقوقه واعتقاله وتغييبه لمدة طويله في السجن لمجرد رأي. لأني أعيد وأكرر الموضوع متعلق بالمبدأ وليس بالشخص. الجانب الأخر، البيانان تم نشرهما في العام، لذا من حقي كمتلقٍ أن أتقبلهما بالكامل أو أرفضهما بالكامل أو فقط تكون لدي بعض التحفظات أقدمها بأسلوب مهذب بعيدا عن الشخصنة. هذا هو ما يسمى باحترام حرية التعبير، أن تقول ما تشاء معبرا فيها عن خياراتك وقناعاتك، لكن من حقي كملتقٍ أيضا أن أقبل أو أرفض، من حقي أن أنتقد أو ألوذ بالصمت، لكن ليس من حقي أن أصادر حريتك وأسجنك لأني فقط أختلف معك في وجهة النظر.

أما عبارة "شيطنة الدولة" النخبوية التي تستخدم أحيانا لتوصيف ممارسة النقد، لدي عدة تحفظات عليها، لكن أتجاوز ذلك وأؤكد أني شخصيا لن يرضيني ولن أتقبل لو حاول الأساتذة الأعزاء شيطنة الأجهزة الأمنية عن طريق نشر ما هو غير الحقيقة والقول مثلا إنهما تعرضا للتعذيب الجسدي بأساليب معينة، لأن كل من اعتقل في القسم الخاص يعلم ما يحدث هناك بالضبط، ولم أطالب بذلك قط. بيد أن رفضي كان واضحا وصريحا، هو اختلافي التام تحوير القضية والخروج بها من مسارها الحقيقي وهو "انتهاك حق حرية التعبير" إلى مسار بعيد جدا. فالقيد لو كان ذهبا وألماسا فسيبقى قيدا تسبب في اغتصاب حق من حقوق الإنسان الأساسية. الموضوع متعلق برمزية الفكرة وقيمتها المعنوية أكثر مما هو متعلق بمستوى جمال وراحة السجن، هل كانت قضبانه من ذهب أو حديد، هل كان به تكييف أم لا، هل يطهر بالديتول أم لا، هل يقدمون الكرك بالزنجبيل أم من دونه. وليس أيضا له علاقة بالمقارنات التي ذكرت، بين دولة وأخرى. بين زمن وآخر، بين فترة حكم السلطان سعيد أو السلطان قابوس.

ولا ضير أن أختم حديثي هنا بنفس العبارة التي ختم بها المعمري بيانه تأكيدا لنفس المعنى: "أتدرين ما الوطن يا صفية؟، الوطن ألا يحدث كل هذا".


04‏/05‏/2016

محزن جدا عندما نجد مثقفينا هم من يربون الاستبداد في دواخلنا، ولو كان من دون قصد.. فكيف لو كان الحبيب عبدالله حبيب! - محمد الفزاري


نسخة طبق الأصل لرسالة بريدية بعثتها لأحد الأصدقاء المقربين لأواسيني وأعزيني ، معبرا فيها عن حزني وطارقا باب الشك حول ما آل إليه فهمي.






الصديق العزيز .....

أتمنى أن تكون بصحة وعافية أنتم وأسرتكم الكريمة.

فقط أحببت أن أشاركم بعض الحزن والامتعاض لا أكثر وأعتذرللازعاج. وأتمنى أن أسمع رأيكم حول الموضوع، لو كان يستحق الالتفات. في الحقيقة رغم فرحي الكبير اليوم بخبر الإفراج عن طالب وعبدالله والدارودي، لكن خبث السلطة في العفو السخيف المتأخر جدا الذي قدموه منة لطالب، كدر خاطري في الصباح، وللأسف الكثير من محبي طالب وقعوا في الفخ. بيد أن هذا الموضوع خارج أمنياتنا وما باليد عليه حيلة لتغييره.

لكن ما أحزني أكثر وأكثر وهذا سبب مراسلتي لكم، هو تعليق العزيز الحبيب عبدالله حبيب حول سبب استدعائه، وماتعرض له، وموقفه بعد بالافراج، عبر صفحته في الفيسبوك، وستجدون في المرفقات نسخة من منشوره.

هل أنا مخطئ فيما سأقوله الآن؟!:

في الحقيقة كنت متوقع منه قول الكثير مما قاله، قياسا بما قام به سابقا الشاعر ناصر البدري بعد الإفراج عنه مباشرة كذلك. وشخصيا ليست لدي أي مشكلة لقول كل ما قاله وسرده في منشوره، وقول الحق فضيلة إحقاقا للحق، وحتى موضوع الاعتذار، شجاعة منه. 

لكن ما فهمته وكدر خاطري هو تهميشه لمبدأ حرية التعبير وضربه للمبدأ عرض الحائط بشكل واضح جدا، وهذا ما لم استسغه. لغى بالمطلق حقا أصيلا وطبيعيا عندما برر وأعطى السلطة الحق في اعتقاله، لاسيما عندما وضع خطوطا وحدد مبدأ حرية التعبير في حدود معينة تتناسب مع أهواء وأمزجة السلطة! 

بعد كل ما قلته، أشير وأؤكد، أبقى مؤمنا بعدم وجود حقيقة مطلقة، وهذا ما أدربني عليه في تعاملي مع الآخر المختلف. حيث قدر الإمكان لا أكترث ولا أشطط غضبا لما يقوم به ويقوله الآخر ولو كان أقرب الأصدقاء. الكل حر في الطريق الذي يختاره ويسلكه، ما لم يتجاوز حريتي الشخصية ويتعدى حقوقي الطبيعية. 

لكن، لكن، محزن جدا عندما نجد مثقفينا هم من يربون الاستبداد في دواخلنا، ولو كان من دون قصد.. فكيف لو كان الحبيب عبدالله حبيب!


سلام ومحبة
محمد

04‏/04‏/2016

Is Oman really the peaceful anomaly of the Middle East? - Mohammed Alfazari


Revered as an icon of stability, ruler Sultan Qaboos maintains Oman's remarkable success... but at what price?





- Wrriten By: Madeleine Miller

"On our flag, green is for farming… red represents what we have been through, wars and expelling the Portuguese… and white represents peace. We are now a peaceful country," says my Omani guide as we tear along one of Jebel Shams’ rocky roads.

This was certainly not the first, nor the last time I heard this in Oman.

Tranquility is an image difficult to fathom for a nation bordering warring Yemen and sandwiched between the flaring tensions of Sunni Saudi Arabia and Shia Iran on the cusp of a proxy war. It seems like a concoction destined to fail; three sects of Islam (Ibadi, Sunni, Shia), an array of differing ancestries; Arab, African, Baluchi and Indian, and an injection of two million expatriate workers from Asia and Europe.

Yet I found myself stunned by how seamlessly Omani’s multi-sectarian society appeared to be stitched together. In Muscat, Omani men and women stroll along the beach in thobes and abayas, dodging Italian and German tourists sunbaking in bikinis and board shorts.

Omani couples have a sociable hit of badminton on the pavement, while African, Arab and Pakistani men enjoy a traditional game of Hawalis in the dirt. The Shia Islamic minority attends a mosque located at the forefront of Muttrah’s bustling corniche. Young affluent Omanis can be spotted enjoying conspicuous alcoholic beverages in hotels. Few people lock their cars, insisting that crime is rare.


Unlike neighbouring Yemen which has one of the highest rates of death by terrorism in the world with a global terrorism index (GTI) of 7.6, and Saudi Arabia which produces the second highest number of foreign fighters with a GTI of 4, Oman received a 0; indicating no impact of terrorism.

"We like peace. My family is Ibadi. My daughter, she married a Shia. There are no real differences between us," an Omani port worker tells me proudly.

"If someone does something bad," says my guide, "It doesn’t matter what type of Omani you are. We all agree you should be punished."


A jewellery seller in Muttrah from Indian Kashmir says he has been enjoying life in Oman for 30 years. "It’s the Omani people. They’re very friendly, nice people."

Two cafe workers from Bangladesh and Sri Lanka agree, although they miss home, have found Oman to be a very peaceful, relaxed and welcoming place. These kinds of sentiments were a stark contrast to those of the conversations I had with hospitality workers when I was studying in Qatar.



Reign of Sultan Qaboos

Yet Oman was scarcely a unified country when Qaboos bin Said al-Said toppled his father Sultan Said bin Taimur and became Sultan 1970. Although an elusive figure, he has an ubiquitous presence throughout Oman. Portraits of his face, big and small, adorn shop windows, car doors, hotel lobbies, shop fronts and desk counters. His super yacht - a bit of an eye-sore at 155m long - lies moored in the Muttrah Corniche, calibrating his rule.

The Oman of the 1950s, "A truly medieval state… vanished like a dream” after Sultan Qaboos’ takeover, wrote illustrious travel writer Jan Morris

The country suffered from shocking levels of disease and poverty. There was 10km of road, one private hospital and three primary schools, and no electricity grid. Most educated Omanis were living as expats abroad.

For many Omanis, particularly the older generation, these days of darkness haunt their collective memory. On route to al-Hamra, a town an hour from the capital, my guide and I stopped by an abandoned village. Most of the town’s inhabitants had been slaughtered for collaborating with the Imam staging a revolt against the rule of the British-backed Sultan Taimur. My guide describes the lifestyle of his family and village 40 years ago when survival depended on hunting rabbits and birds. His sisters are now English teachers and he works in tourism.

Today, Oman has been recognised by the United Nations Development Programme as one of the top Human Development Index (HDI) movers in the last 40 years, with development as remarkable as China and South Korea. This transition is humbly marked by an annual "Renaissance Day," the day Sultan Qaboos acceded to the throne.

His seeming bravery and leadership in Middle Eastern diplomacy and pragmatism in foreign policy have also earned him international admiration and respect. Oman was the only Gulf state that refused to join the Saudi-led coalition in Yemen. Sultan Qaboos has advised both Israel and Palestine to de-escalate tensions, and he played an instrumental role in the facilitation of nuclear talks between Iran and the US. 

Many Arabs and South-East Asians share this marvel for Oman’s Sultan, particularly those who feel betrayed by the promised fruits of democracy. A Pakistani foreign worker shudders when I talk to him about his homeland. "Pakistan is not good. We have democracy but the situation is very bad. Oman is good. They have peace. No violence." It is a view that can be empathised with. The Facebook page calling for him to be awarded a Nobel Peace Prize has gained a not insubstantial following of 129, 319 people.




But at what cost?

However, the vacuum of criticism in Oman and the apparent unvitiable pedestal the Sultan occupies in the international eye is unsettling. "Oman’s public image of tourism and a progressive country hides quite a different reality," says Radidja Nemar, chief legal officer of the Gulf region for Al-Karama, a Geneva-based, independent human rights organisation. "There is virtually no freedom of expression."


Upon his visit to Oman in 2014, the United Nations Special Rapporteur on the Rights to Freedom of Peaceful Assembly, Kiai found a "pervasive culture of silence and fear affecting anyone who wants to speak and work for reforms in Oman." The superficial separation of power between the executive and the judiciary dangerously situates activists and journalists who dare to criticise or question.

Broad criminal laws including the prohibition on any publication that "leads to public discord, violates the security of the state or abuses a person’s dignity or his rights" (Article 31, Oman’s Basic Law), and insulting or defaming the "Sultan’s rights or authority" (Article 126, Penal Code), confers the Sultan’s cabinet arbitrary punitive powers, deciding "who gets arrested, who stays imprisoned and for as long as they see fit," says Nemar. Any private gatherings of more than nine people without authority approval are illegal, as is forming a relationship with foreign organisations.


Mohammad al-Fazari is an Omani who has suffered reprisals for speaking his mind on the government and demanding civil and political freedom. A participant in the 2011 Arab Spring protests, al-Farazi protested for democracy, a real parliament with legislative powers, a new contractual constitution, transparency and separation of powers. Throughout 2012 and 2013, al-Farazi faced numerous arbitrary arrests and interrogations, including charges of "insulting the sultan" and engaging in an "illegal gathering".

In 2013, al-Farazi founded Al-Mowaten, an independent news magazine concerning Omani society - after which he says his life became exceedingly difficult. In August 2014, he was arrested "for reasons that concern him personally" after calling upon Omanis to talk to the UN Special Rapporteur for Freedom of Assembly, Mr Kiai, during his visit to Oman.

After urgent appeals by human rights organisations including Al-Karama, he was released days before Kiai’s visit and put under strict surveillance. Months later when al-Fazari tried to travel from the airport, his identity documents were confiscated and he was prevented from travelling overseas. The primary purpose of the confiscation of travel documents, says Nemar, "are to prevent them from travelling and gaining refugee status, but also to punish them because without their papers they are very limited in the activities inside the country (ie driving a car and daily administrative matters)."

Al-Fazari managed to escape Oman without his papers and is currently living as a political refugee in Britain. Due to recent arrests and interrogation of other Al-Mowaten contributing journalists living in Oman, on 14 January 2016, the magazine was forced to cease publishing. 


However, it is not just journalists who are denied a voice. Talib al-Mari was a member of the Sultan’s Consultative Council who is currently serving a four-year prison sentence for "harming the prestige of the state," despite multiple attempts at intervention by UN experts. Al-Mari was protesting against the effects of petrochemical pollution on his local community in 2013. Such an arrest also surely sullies the earnestness of Sultan Qaboos’ UNESCO International Award for Environmental Protection.
Justifications

In 2014, Dreamlab CEO, Nicholas Mayencourt, responded to Wikileak’s "Spy Files" implicating the Swiss company and British surveillance company Gamma Group in the installation of internet spy surveillance equipment in Oman. He argued that Oman "is the most advanced country in the Arab world… On the beach you see women in bikinis… Just because Oman is not a Western democracy and the Sultan may overrule the decisions of parliament is not all bad."

This is a similar excuse expounded by the government. In response to Kiai’s Freedom of Assembly report, Oman argued that the government prioritises "public convenience over disturbance, or peace and quiet over commotion".

However, Kiai emphasised that civil and political rights, and stability are not mutually exclusive. "Human rights are the foundation for true and sustainable stability." He warned: "When a government fails to provide an outlet for popular sentiment, it loses a valuable opportunity to feel the pulse of the nation, and effectively creates a sealed vessel under pressure that will eventually explode with dire consequences."

With the Sultan now encroaching old age, suffering from cancer, and with no children or siblings to be heir to the throne, the horizon for Oman is looking increasingly uncertain. The Imam also died in 2009 and has yet to be replaced. Can Oman withstand another authoritarian ruler, especially one lacking the historical rapport of Sultan Qaboos? Or will the seemingly idiosyncratic Oman, as Kiai predicts, sit like a ticking bomb so long as it remains voiceless?



نشر التقرير في صحيفة:  Middle East Eye