أهلا ومرحبا بكم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أحبتي في الوطن، في الإنسانية. أشكر لكم تشريفكم وتصفحكم لهرطقات مدونتي المتواضعة. نحن نقف على مسافة واحدة من جميع القوى السياسية والأيديولوجيات الفكرية. راجياً لكم قضاء أمتع الدقائق وأروع اللحظات والكثير من المتعة.

23‏/05‏/2017

عمان: بين فجوة الاستقرار وحرب السيطرة والصراع على المعلومة


يقول جورج أورويل صاحب رواية مزرعة الحيوان في روايته الديستوبية الأخرى المعنونة بسنة 1984 كأحد فلتاته الإبداعية في أدب الخيال السياسي: “الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها أبدا، كما أنها لا تتمرد أبدا لمجرد أنها مضطهدة. والواقع هو أن هذه الجماهير لا يمكن حتى أن تصبح مدركة لحقيقة اضطهادها طالما ظل امتلاك معايير للمقارنة غير متاح لها”. اتفق مع هذه الفقرة إلى نسبة كبيرة جدا لو قورنت بالواقع العماني، الواقع الذي تتشارك فيه جميع المجتمعات التي تعيش تحت وطأة نفس الظروف أهمها وجود سلطات مركزية توتاليتارية طوال عقود قادرة على تقنين مدخلات الوعي الجمعي عن طريق توجيه وتضخيم وتشويه المعلومة وحتى أيضا حجبها. ولهذا سعت هذه السلطات، عندما أحست أنها بدأت تفقد هذا الدور الشمولي في السيطرة على المعلومة مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وفضاء الإنترنت المفتوح، باتباع منهج آخر لكن لا أستطيع أن أصفه بالجديد قدر ما هو بثوب جديد لغاية قديمة. فتُهْمتا المساس بالنظام العام والتقليل من هيبة الدولة(1) الجاهزتان المغلفتان عن طريق الأجهزة الأمنية والنيابية ما هما إلا وسيلتا استعادة سيطرة على المعلومة ومسارها. تدرك هذه السلطات كما أوضح أورويل أن فقدانها السيطرة يعني السماح لتوافر معلومات قد تدفع العقل الجمعي الموجه المستغفل المنوّم بأن يبدأ في امتلاك معاييره الخاصة وعقد المقارنات؛ لتكون المحصلة مع الأيام ارتفاع نسبة الوعي الجمعي وهذا ما لا تريده وتخافه السلطة. لأنه ببساطة ارتفاع نسبة الوعي لدى المواطن يعني إدراكه للواقع وللحقيقة مما سيؤدي إلى زيادة فجوة الاستقرار، وسيجد نفسه تلقائيا في صدام مباشر مع السلطة، تبدأ على مستوى المعلومة وقد تنتهي إلى صعيد آخر أكثر حدة وتطرفا. وهذا سيربك الاستقرار كما يطلق عليه نعوم تشومسكي عندما يصف منتقدا ركائز علاقة القوى العظمى مع هذه السلطات.

هذه القراءة، عبارة عن مقاربة لصور بانورامية لمشاهد عدة من الواقع العماني توضح مدى السيطرة التي تفرضها السلطة على مسار ونوع المعلومة التي يتلقاها العقل الجمعي بوعي ودون وعي وعلاقتها بفجوة الاستقرار. قد يساعد تسليط الضوء عليها في امتلاك بعض المعايير الدافعة للمقارنة. وأزعم -أو حتى أكاد أجزم-، يخطئ من يعتقد أن بناء وتشكيل الوعي الجمعي الذي قد يولد القوة لقول “لا” قد يأتي مباشرة بعد قراءة مقال أو كتاب أو حتى مشروع فكري فردي، هذا على مستوى الفكرة. أما على مستوى الزمن فهو يحتاج لفترة ليست بالقصيرة بتاتا تعتمد على عدد التجارب التي يواجهها أي مجتمع وسرعة التعلم منها. وبناء على فلسفة التاريخ الهيجيلية فإن العقل هو من يحكم العالم في نهاية المطاف رغم كل السوء والظلام ومظاهر الفوضى الذي تعيشه البشرية؛ فالتقدم باهظ الثمن جدا ويحتاج إلى تراجعات أحيانا ومواجهة مخاضات لكي يحصل التقدم.



فجوة الاستقرار: بين توقعات الشعب وقدرات الحكومة

هناك دائما مستوى قدرات تملكها الحكومة ومستوى توقعات تملكها الشعوب، وكل ما زادت هذه الفجوة بين مستوى القدرات وبين مستوى التوقعات زادت فرصة حدوث الثورات وعدم الاستقرار. ويرجع السبب في زيادة الفجوة بشكل مستمر إلى عاملين مهمين: الأول، أن الحكومة تقدم وعودا مستمرة في تحسين ورفع مستوى معيشة المواطن وفي شتى جوانب صميم مسؤوليتها مما يساعد في رفع مستوى التوقعات لدى الشعب، والنتيجة تكون خلاف ذلك. ثانيا، عندما يدرك “بعض” من الشعب مستوى القدرات الحقيقية للدولة، وهي قدرات أكبر مما تعلنه الحكومة عبر أجهزتها، مما ساعد في رفع مستوى توقعاتهم وتأثيرهم على الوسط الاجتماعي بآرائهم وفقد السلطة سيطرتها على المعلومة.

في 2011 كانت الفجوة في أعلى مستوى لها وهذا ساعد بالتأثر المباشر والسريع بشرارة الربيع العربي آنذاك. ورغم تلك الفجوة الحاصلة قبل الحراك، وكانت ظاهرة العيان، إلا أن الحكومة لم تبادر بتحركات فعالة لإدارة الفجوة قبل الحراك لأسباب أو احتمالات أهمها: 1- ربما الأجهزة المسؤولة لم تكن تدرك حجم تلك الفجوة وكانت بعيدة كل البعد عن الواقع وهذا دليل على ضعف الأجهزة في استقراء الواقع. 2- ربما لم تتوقع نهائيا تلك الأجهزة قدرة الشعب في التعبير عن غضبه ميدانيا، وكانت تتكئ على مستوى الخوف الذي زرعته في نفوس المواطنين طوال السنوات 40 السابقة وأيضا على مستوى سيطرتها على المعلومة، وهذا أيضا دليل آخر على ضعف التقدير.(2)

بيد أنه بعد الحراك حاولت تلك الأجهزة تدارك الوضع ليكون لصالحها عن طريق لملمة وترتيب أوراقها بطريقة ذكية والتركيز على نقاط القوة التي تملكها الحكومة. فنجحت بعمل ردات فعل ولو لم تكن مدروسة بشكل جيد، حيث ظهر الخلل بعد فترة وجيزة. وهذه طبيعة ردات الفعل بخلاف الفعل “المبادرة”. ساعدت تلك الكروت في تقليص تلك الفجوة، وكانت من أهم تلك الخطوات هي تلبية بعض المطالب المعيشية المؤقتة مثل رفع الرواتب والتوظيف وتقديم وعود لحل بعض مشاكل الشباب مثل توفير صندوق للزواج، الذي لم يرَ النور حتى الآن. في الوقت ذاته تجاهلت السلطة ولم تكترث لبقية المطالب الرئيسة وأهمها المطالب الإصلاح السياسي مثل الدستور التعاقدي، والفصل التام للسلطات الثلاث، ومنصب رئيس الوزراء، ومحكمة دستورية، وصلاحيات تشريعية ورقابية لمجلس الشورى.(3)

أصبح الشعب لديه واقعة قارّة في ذاكرته وهي حراك 2011، والتي تحاول الحكومة بشتى الطرق مسحها من الذاكرة الجمعية. هذه الواقعة مع مزيد من تسليط الضوء يمكن أن تشكل منطلقا نحو تطوير النقد الموجه للسلطة والتي تتحاور معه السلطة بطرقها المباشرة وغير المباشرة. صور جديدة من الصراع على المعلومة ستنشأ من هذا التكثيف على حراك 2011. وقائع جديدة يتم ربطها باستمرار مع تفاعلات الحراك الشعبي في 2011.

فكل ما قامت به الحكومة لإدارة تلك الأزمة هو حق مشروع لها، لكن أيضا للمواطن الحق في الشك والتساؤل ورفع مستوى توقعاته ولو أدى ذلك إلى زيادة الفجوة من جديد. وسأستخدم هنا لغة الأجهزة الأمنية، من حق تلك الأجهزة أن تعمل بكل وسائلها السلمية لتوجه نظر الشعب إلى الجزء المملوء من الكأس فقط، لكن أيضا من حق الشعب بعد النظر للجزء المملوء من الكأس، أن ينظر للجزء الفارغ من الكأس ويتساءل لماذا هو فارغ ويعمل وفق القانون سلميا لمعرفة ذلك. فقمة الإيجابية عندما تقارن وتنتقد وتقول الواقع وتذكر الحلول المناسبة إن استطعت، وقمة السلبية عندما تتهرب عن الواقع وتزيف الحقائق. السؤال الأهم الآن: ما مستوى حجم فجوة الاستقرار حاليا خاصة بعد ما فقد تقريبا أغلبية الشارع العماني الثقة في القضاء بعد تداعيات قضية صحيفة الزمن؟!(4)

وربط سياسة ردود الأفعال في مقارنتها مع سياسة المبادرات، بالتمييز بين التكتيك والاستراتيجية. الحكومة اتبعت في 2011 وما بعده مجموعة تكتيكات نجحت في وقتها في إعادة السيطرة على الأوضاع، ولكن هل أردفتها باستراتيجيات حقيقية لمعالجة المشكلات من جذورها؟ المؤشرات والوقائع تشكك في ذلك، وهذا يعني أن الحدث سيتكرر في المستقبل ولكن بأدوات جديدة وربما بعنف أشد. هذا التمييز بين التكتيك والاستراتيجية يمكن أن ينتج أفكارا كثيرة للنقد الموجه للسلطة وهي تدير منفردة جميع الملفات الداخلية تقريبا.



القانون: بين الواقع وتزوير الحقيقة

قبل فترة دخلت في حديث مع طالب جامعي في إحدى جامعات السلطنة الخاصة حول بعض المناهج وطبيعة التدريس وطريقة تعاطي المحاضر مع بعض القضايا السياسية والحقوقية والأسئلة التي ترافقها من قبل الطلاب بشكل عفوي ومنطقي. أتذكر وقتها كيف صرخت به حانقا كيف تسمحون بأن تُستغبوا بهذه الطريقة؟! رد عليّ ولا ألومه: “نريد أن نتخرج”. وتحمل هذه الإجابة احتمالين في المعنى المقصود: أولا نحن لا نكترث لصحة المعلومة قدر اهتمامنا لحفظ المعلومة وصبها في ورقة الامتحان وضمان الدرجة ثم التخرج، ثانيا دخولنا في حوار جاد مع المحاضر قد يعرضنا في البداية لتوبيخ المحاضر عن طريق سجل الدرجات ثم بعد ذلك للمساءلة الإدارية وقد تصل للتحقيق. ومن ضمن المسائل التي ناقشناها قضية فصل السلطات الثلاث التنفيذية والقضائية والتشريعية من عدمها، وقضية منح الصلاحيات لمجلس الشورى التشريعية والرقابية من عدمها. صحيح أن دور الاستغباء الذي يقوم به المحاضر عن طريق تشويه المعلومة ليس بفعل مستغرب بشكل عام؛ فالسلطة تمارسه بشكل يومي عبر قنواتها وأدواتها في استغباء مهين للمواطن، بيد أن يمتد هذا الاستغباء والاستخفاف للمؤسسات التعليمية وفي كليات القانون لهي مهزلة كبرى. مع العلم أن القضيتين لا يوجد لبس في جوهر حقيقتهما ومع هذا تمارس السلطة بجاحتها في الضحك على الذقون. فلو بدأنا في مسألة فصل السلطات، كيف نقول هناك فصل والسلطان قابوس هو رئيس أعلى سلطة تنفيذية كرئيس مجلس الوزراء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة قضائية كرئيس المجلس الأعلى للقضاء، وهو نفسه رئيس أعلى سلطة تشريعية كرئيس مجلس عمان! هذا لو تناسينا المناصب الأخرى بين وزير ورئيس مجلس أعلى. أين الفصل ولماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها؟!



السلطة التشريعية:

هل يملك مجلس عمان هذه السلطة؟ ووصفتها بالسلطة لأن هذا هو جوهر وجود الصلاحية من عدمه. وحسب الموسوعة العربية “السلطة التشريعية تقترح القوانين وتقرها، وقد تشاركها في عملية اقتراح القوانين السلطة التنفيذية (الحكومة)، ولكن عملية التصويت على مشروع القانون لإقراره، تدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية وحدها، لا تشاطرها فيها سلطة أخرى من حيث المبدأ، ولكن بعد سن القانون تتولى السلطة التنفيذية مهمة التصديق عليه، وإصداره ونشره”. وهذا بخلاف ما نص عليه النظام الأساسي للدولة(5) كما سنلاحظ الآن. في المــادة (58) مكــررا (35): “تحـال مشروعـات القوانيـن التي تعدهــا الحكومـة إلى مجلـس عمـان لإقرارهــا أو تعديلها ثم رفعها مباشرة إلى جلالة السلطان لإصدارها. وفـي حال إجراء تعديلات من قبل مجلس عمان على مشروع القانون يكون لجلالة السلطان رده إلى المجلس لإعادة النظر فـي تلك التعديلات ثم رفعه ثانية إلى جلالة السلطان.” وفي المادة مــادة (58) مكــررا (36): “لمجلس عمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس، وتتبع بشأن إقرارها أو تعديلها وإصدارها ذات الإجراءات المنصوص عليها فـي المادة (58) مكررا (35).” نلاحظ بشكل واضح وصريح أن المشرع وصاحب القرار النهائي هو السلطان قابوس. وليس هذا فقط؛ ففي المادة (58) مكــررا (39): “لجلالة السلطان إصدار مراسيم سلطانية لها قوة القانون فيما بين أدوار انعقاد مجلـس عمــان وخـلال فترة حـل مجلـس الشـورى وتوقـف جلسات مجلس الدولة.” يحق للسلطان قابوس إصدار تشريعات كيفما شاء في الحالات التي أشارت إليها المادة. وأخيرا وليس آخرا المادة (58) مكــررا (40): “تحال مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال شهر على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه ثم إحالتها إلى مجلس الدولة لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه، وعلى رئيس مجلس الدولة إعادتها إلى مجلس الوزراء مشفوعة بتوصيات المجلسين، وعلى مجلس الوزراء إخطار المجلسين بما لم يتم الأخذ به من توصياتهما فـي هذا الشأن مع ذكر الأسباب.” تصرح أيضا بشكل واضح ومضحك أنه يا مجلس عمان بشقيه مجلس الشورى والدولة كل مقترحاتكم وتعديلاتكم حول مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة يستطيع السلطان قابوس ومجلس وزرائه رميها في أقرب سلة مهملات!



السلطة الرقابية:

وحقيقة وجود هذه الصلاحية. المــادة (58) مكــررا (43): “يجـوز بنـاء على طلب موقـع من خمسـة عشــر عضـوا على الأقـل من أعضـاء مجلس الشورى استجواب أي من وزراء الخدمات فـي الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهـم بالمخالفـة للقانـون، ومناقشـة ذلك من قبل المجلـس ورفـع نتيجـة ما يتوصل إليه فـي هذا الشأن إلى جلالة السلطان.” نصت المادة على صلاحية الأعضاء في استجواب وزراء الخدمات فقط، وهنا الإشكالية في حقيقة وجود صلاحية الرقابة أصلا. أو لنقل صلاحية خجولة لا ترقى لمستوى التصريح بحقيقة وجود السلطة الرقابية. وهذا يعني أن السلطان قابوس لا يمكن أن يحاسب لا بصفته رئيس الوزراء ولا بصفته وزيرا للمالية والدفاع والخارجية، حيث إن ذاته مصونة كما نص عليه النظام الأساسي، والوزارات التي يترأسها لا تدخل ضمن نطاق الوزارات الخدمية. الإشكالية الأخرى أن النظام الأساسي نسي أو تناسى متجاهلا، وفي النهاية سنصل للنتيجة نفسها، تحديد ما هي الوزارات الخدمية وما هي الأخرى وما صفتها. وهذا ما لعبت عليه السلطة فيما بعد عندما رفع 43 عضوا في الفترة السابقة رسالة طلب استجواب إلى رئيس مجلس الشورى لاستجواب وزير النفط والغاز جاء الرد من مجلس الوزراء أن هذه الوزارة تدخل في إطار الوزارات السيادية! وقد صرح عضو مجلس الشورى توفيق اللواتي في حسابه عبر تويتر بعد رد مجلس الوزراء: “السؤال ما هي الوزارات الخدمية؟ هذه نقطة خلاف، فحين تقدم أكثر من نصف أعضاء المجلس بطلب استجواب وزير النفط والغاز كان الرد من مجلس الوزراء أن وزارة النفط والغاز من الوزارات السيادية.”(6) الأنكى من ذلك، طلب استجواب وزيرة التعليم العالي حينها قدمه 16 عضوا وانتهى بشكل درامي وغريب لا يعلم حتى الأعضاء أنفسهم ماذا حدث. وحتى لو افترضنا تم الإجماع بالأغلبية من الأعضاء في حجب الثقة عن أحد وزراء الخدمات هل بيدهم القرار لتنفيذه؟ المادة (58) مكــررا (43) تقول “لا” والقرار يرجع أيضا للسلطان قابوس فقط. بدون شك سيحاول أن يبرر البعض بأن الصلاحيات يجب أن تمنح بالتدريج أو أن الشعب غير واع لتحمل الصلاحيات، وهذا لا يعنيني الآن لأنه محور آخر قدر ما يهمني هذا السؤال: لماذا لا تسمون الأشياء بمسمياتها وحقيقتها، لماذا تشوهون المعلومة؟! والحقيقة بكل بساطة هي أن قبل تعديلات 2011 كانت لا توجد أي مادة في النظام الأساسي تنص على وجوب تمرير أي مسودة مشروع قانون على مجلس عمان، والآن توجد. بالإضافة إلى حق 15 عضو في استجواب وزير خدمات، فقط. وحتى هذه الأخيرة نضع تحتها ألف خط.



الحاكم.. بين النقد والتقديس

“كلنا ندعي أننا نحب الحق ونريد نصرته من صميم قلوبنا، ولكننا في الواقع لا نحب إلا ذلك الحق الشعري الذي نلهج به دون أن نعرف حدوده في الحياة العملية. أما الحق الصارم الذي يهدد مصالحنا فنحن أبعد الناس عنه.” من العبارات التي ترسخت في رأسي بعد قراءتي كتاب “مهزلة العقل البشري” للمفكر وعالم الاجتماع علي الوردي رغم مرور على الأقل ثلاث سنوات، وهذا من النادر أن يحدث عند شخص مثلي ابتلي بضعف الذاكرة. بيد أن واقعية العبارة هي من فرضت نفسها بالقوة وقاومت امتصاص الثقوب السوداء لذاكرتي وما أكثرها. كيف سأنسى العبارة ولو أردت أن أتناسى وأنا أشاهد حجم التناقض الذي يعيشه “البعض” في منهجية النقد التي يتبعونها؟! وأعني بالبعض هنا المواطن المُغَيِّب والمُغَيَّب.

هل يعقل أن تنتقد مسؤولا ما على تقصير معين في أدائه كمسؤول في الدولة، ومن جهة أخرى نجد الشخص ذاته يقدس ويبارك ويهلل لمسؤول آخر في الدولة بدون أن يوجه له أو يفكر أن يوجه له أي انتقاد على أدائه في قضية معينة في يوم ما. مع العلم أن المسؤول الذي يقدسه يتحمل الوزر الأكبر أو مساويا منطقيا وأخلاقيا، لأن الأخير هو المسؤول الأول وهو من عينه وهو من يقيله. ما بالك لو كان هذا المسؤول “المقدس” هو الحاكم الذي يسيطر على جميع مفاصل الدولة كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة وجميع سلطاتها الثلاث وكل مجالسها العليا وأهم وزارتها؟! الاحترام لا يعني التقديس، والانتقاد لا يعني عدم الاحترام، وكل مسؤول في الدولة مهما قدم للوطن يبقى مواطنا كغيره وإنسانا قبل ذلك، غير معصوم عن الخطأ وغير مرفوع عنه وغير منزه عن الانتقاد. هذا واجبه كموظف في الدولة وليس كرما ولا تكرما، بل حق للوطن والمواطن. وقد لا يدرك غير العماني ما أعنيه، لأن الكلمات أحيانا تقف عاجزة عن التوصيف بشكل دقيق للوضع القائم. الحاكم في عمان هو إله الخير فقط، وكل إله سواه هو إله الشر وكل عيبة ونقيصة.

ويقول أفلاطون: “نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر، وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر”. لكن في الواقع، التفكير يسبقه نقد ويرافقه نقد وينتهي بالنقد، لكن كل سلطة شمولية عن طريق سيطرتها الكلية على المعلومة عن طريق أدواتها ووسائلها كالإعلام وأجهزة المخابرات ومساندة وعاظها ومثقفيها، استطاعت بكل جدارة تطبيق النظرية المكارثية وشيطنة كل نزعة إصلاحية وكل دعوة هدفها التغيير في أذهان الناس. حتى أصبح مفهوم النقد لدى الكثير، ما هي إلا دعوات تخريبية مدعومة من منظمات مشبوهة. ولكن إذا حصل النقد ووجد طريقه وفرصته، جاء للأسف في الغالب مشوها ومقلوبا وناقصا للمنطق ولا تؤطره المبادئ. رسالة: كلما ساد الرأي الواحد باسم الوطنية اضمحل العقل ونهب الوطن، وكلما تعددت الآراء وتنوعت الأفكار تحررت النفوس وازدهر الوطن. من كان جزءا من المشكلة لا يمكن أن توكل له مهمة حلها.





الهوامش:
1- انظر: قانون الجزاء العماني، المادة 126، المادة 130، المادة 130 مكرر.
2- لمزيد من التفاصيل انظر: مجموعة مؤلفين، الربيع العماني: قراءة في الدلالات والسياقات. تحرير وإعداد: سعيد الهاشمي، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص369.
3- انظر: محمد الفزاري، قراءة: الدستور التعاقدي العماني بين الطموح وشماعة الجاهزية الشعبية، مجلة مواطن، العدد 17:
4- لمزيد من التفاصيل انظر: المرصد العماني لحقوق الإنسان، تداعيات قضية الزمن، تاريخ 10 أغسطس، 2016:
5- انظر: وزارة الشؤون القانونية، الموقع الرسمي:
6- انظر: صحيفة البلد، مجلس الشورى: قضية “الوزارات السيادية” ستناقش دستوريا، عدد 5 ديسمبر، 2012:



10‏/05‏/2017

لغز الخلافة في عمان.. محللون يخشون مواجهة أي حراك شعبي بالقوة - ترجمتي في مجلة مواطن - محمد الفزاري


نشر the Christian Science Monitor عبر موقعه تقريرا حول واقع الخلافة في عمان ومآلات المستقبل، وأعد التقرير صحافي يدعى .Taylor Luck تنشر مواطن التقرير مترجما للعربية مع وضع بعض التعديلات التي لا تلغي ما احتواه من مضامين.


– ترجمة: محمد الفزاري



السلطان قابوس الذي لا يملك أبناء -استخدم الثروة النفطية لبناء دولة وضعها بشكل استراتيجي كلاعب خليجي عربي مهم- قد وضع آلية انتقال الحكم سرية في محاولة لضمان الاستقرار، ولو على المدى القصير فقط.



السلطان قابوس، زعيم عمان المريض، هو رئيس وزراء دولة صغيرة لكنها غنية. وهو كذلك رئيس الدولة، ووزير الخارجية، ووزير الدفاع، والقائد العام. كل تلك المناصب تحت سلطته.

في كل مكان السلطان قابوس يلوح في الأفق. صورته تحيي الزوار في المطار، اسمه يزين الطرق والمدارس والمستشفيات والموانئ والملاعب والجامعات. وأكبر مسجد في كل مدينة رئيسة يحمل اسمه. تقريبا كل عماني لديه قصة عن زيارة السلطان لمدينتهم أو قريتهم. الولاء إلى عمان يعني الولاء إلى السلطان قابوس.

الآن، مع تدهور صحة السلطان البالغ من العمر 76 عاما، ولأنه لا يملك أبناء، الاهتمام قد تحول بشكل طبيعي نحو خلفه. ولكن هناك مشكلة: لا أحد يعرف من سيخلفه.

وطوال فترة حكمه التي استغرقت خمسة عقود تقريبا -الذي وصل إلى السلطة في انقلاب غير دموي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات في القصر- سعى قابوس إلى تحقيق الاستقرار على حساب كل شيء آخر. ولمنع مؤامرات القصر الداخلية، والتدخل الخارجي من قبل القوى الإقليمية، أو الاقتتال الداخلي بين القبائل العمانية، أبقى قابوس خطط خلافته غامضة.

وقال محللون ومراقبون إن المتاهة المعقدة حول سرية الخلافة وآلية انتقال الحكم، تشمل انتخابات مجلس الأسرة ومظاريف مغلفة على غرار جائزة الأوسكار، قد صممت لضمان الاستقرار.

ولكن هل تلك الآلية في انتقال الحكم ستكون قابلة للتنفيذ؟ يتفق الجميع على أن السلطان المقبل، أيا كان، سيكون له مهمة طويلة لكسب ولاء الشعب الذي لم يعرف ولم يستفد سواء من قابوس. ولكن الأكثر صعوبة سيكون في إدارة مستقبل اقتصاد عمان المعتمد على النفط ومنع الاضطرابات الاجتماعية التي قد تصاحب حتما انخفاض عائدات النفط.

استقرار عمان له أهمية بالنسبة للمنطقة والعالم بسبب موقع البلاد عبر مضيق هرمز مقابل إيران. ويشارك البلدان في السيطرة على الممر المائي الخليجي الحيوي الذي يمر من خلاله 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية.

ويعترف دبلوماسيون غربيون في العاصمة مسقط بأن مضيق هرمز قد يكون “الجائزة الكبرى” في التنافس بين السعودية وإيران، وقد يكون “مصدرا للنزاع المقبل” في حال فقدت عمان ميزانها الدبلوماسي الدقيق بين دولتين ذاتي ثقل إقليمي كبير.



الأب والحامي

السلطان قابوس نصب نفسه أمام الشعب كأب وحامي عمان. ومع اكتشاف الثروة النفطية، أخرج قابوس البلاد من الفقر والانعزال إلى دولة حديثة ولاعب رئيس على الساحة العربية.

حين وصل قابوس إلى السلطة في عام 1970، كانت عمان واحدة من أفقر البلدان في المنطقة. لم يكن لديها سوى ثلاث مدارس، وكان 66 في المائة من السكان البالغين أميين، بمن فيهم 88 في المائة من النساء. وواحد من كل خمسة أطفال يتوفى قبل بلوغ سن الخامسة. وكان متوسط العمر المتوقع 49.3 سنة.

و نما الناتج المحلي الإجمالي العماني من 256 مليون دولار في عام 1970 إلى أكثر من 80 مليار دولار. ويوجد اليوم 1230 مدرسة، وانخفضت نسبة الأمية بين الكبار إلى 5.2 في المائة. وحاليا يوجد 59 مستشفى، وارتفع متوسط العمر المتوقع إلى 76 عاما.

وطوال التحول الكبير في عمان، أضاف السلطان قابوس لمسة شخصية حتى على مستوى التدخل في تقنين وتنظيم الموضوعات البسيطة. وقد تركت هذه اللمسة الشخصية بصمة على العمانيين؛ فأصبح ولاؤهم لقابوس أصيلا وواقعا ملموسا.

من حوض بناء السفن في صور، جمعة بن حسون، مالك الحوض وباني السفن العمانية المصنوعة يدويا من خشب الساج، يتذكر عندما السلطان حثه على العودة إلى وطنه من الكويت وفتح المحل. “جلس السلطان هنا طوال الليل، وفي نهاية الليل قبل أن يغادر، أعطانا حقيبة من المال وأمرنا بمباشرة عملنا”.



لغز الخلافة

قابوس يعاني من تدهور صحته منذ عام 2014، حيث أمضى أشهرا متواصلة في ألمانيا لتلقي العلاج. وكان نادرا ما يظهر في المناسبات العامة على مدى السنوات الثلاث الماضية.

ووفقا للخبراء، هناك 85 فردا هم ورثة شرعيون لقابوس من ذرية أسرة آل سعيد المالكة ومن والدين عمانيين.

وبموجب الدستور الحالي، سيقوم مجلس الأسرة باختيار الخليفة في غضون ثلاثة أيام من وفاة قابوس. وإذا فشلوا في التوصل إلى توافق في الآراء، السلطان قابوس ترك وراءه ظرفين مختومين في موقعين منفصلين، يحمل كل منهما اسم خلفه المفضل. لكن أي واحد من 85 يمكن أن يخلف قابوس بعد وفاته.

و يقول أحمد المخيني -محلل سياسي عماني- “الأسرة الحاكمة لديها تاريخ في الصراع على السلطة بين الخلفاء والأشقاء حتى قتل بعضهم البعض. وإذا كان الخليفة اسما واضحا ومعلوما، هناك العديد من الجهات والأطراف الفاعلة التي قد تحرض أفراد الأسرة ضد بعضهم البعض… إذا لم يكن هناك خليفة محدد، بطريقةٍ ما النظام سيكون أكثر استقرارا”.

على مر السنين، قابوس بذل قصارى جهده لعدم تفضيل أحد الأقارب الذكور على آخر، حتى لا يكشف عن نواياه. ومع ذلك، فإن المراقبين غالبا ما يسمون ثلاثة مرشحين مفضلين: أسعد، شهاب، و هيثم، أبناء طارق، عم السلطان قابوس.

وحتى وقت قريب، كان عدد قليل منهم من يتمتع بخبرة مباشرة في مجال الحكم. وفي 3 مارس أصدر قابوس مرسوما سلطانيا بتعيين أسعد بن طارق نائبا لرئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي، وهو مثال نادر في إشراك العائلة المالكة في شؤون الدولة. وبعض المحللين عدها إشارة بأن أسعد، في عقده الستين، قد يكون السلطان القادم. لكن الدبلوماسيين والمحللين الغربيين يوافقون على أنها مجرد تخمينات قد لا تصح.



مفترق طرق إقليمي

ومع ذلك، فإن ميل قابوس للسرية ليس فقط بسبب موقفه الشخصي ولتجنب الصراع الداخلي. ويقول المراقبون إن هذا النظام هو رد فعل على واقع عمان المضطرب مع جيرانها من الدول، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وإيران التي تقع على بعد 35 ميلا من الساحل.

وقد حافظ قابوس على حياده على مدى عقود في الوقت الذي تآمرت فيه القوى الإقليمية المختلفة ضد بعضها البعض. وتحافظ عمان على علاقات سياسية واقتصادية قوية مع ايران، وهى شريك تجاري قديم، فى الوقت الذي تقيم فيه علاقات كاملة وودية مع منافستها المملكة السعودية.

واستثمرت عمان واقعها الجغرافي والسياسي بين شبه الجزيرة العربية وإيران، لتلعب دور الوسيط بين دول الخليج العربية والغرب وإيران، بل ساعدت على التوسط في اتفاق إيران النووي لعام 2015.

وإعلان الخليفة، سيفتح الباب أمام إمكانية السعودية أو الإمارات أو إيران في تفضيل السلطان المقبل أو استخدام ثرواتهم أو وكالات الاستخبارات للسيطرة عليه.

وقال المحلل جيورجيو كافيرو -مدير شركة الخليج لتحليلات – وهي شركة استشارية مقرها واشنطن، “ليس سرا أن هناك تصورات سلبية في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى حول علاقات عمان المتنامية مع إيران”.

وأضاف “هناك فرصة جيدة أن يحاول أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي خصوصا السعودية والإمارات العربية المتحدة الضغط على خليفة السلطان قابوس لإدارة سياسة خارجية أكثر انسجاما مع الرياض وأبوظبي”.

علاوة على ذلك، هذه السرية تحمي أيضا إرثا آخر مهما لقابوس وهو موازنة مختلف القبائل والأقليات الدينية التي تشكل دولة عمان، القوات الأمنية، المحاكم، المدارس المحلية، الإباضية، قبائل الداخلية، والشيعة، والتجار الساحل، والمغتربون العمانيون من شرق أفريقيا. والمنافس لعرش السلطان قد يزيل بسهولة هذه التوازنات الدقيقة.



التحديات الاقتصادية

بيد أن السرية المحيطة بوارث قابوس قد تبقي السلطان المقبل غير مستعد على نحو مؤلم للأزمة الاقتصادية المحتملة القادمة على البلاد. ووفقا لدراسات مختلفة، حسب الإنتاج الحالي من المتوقع أن ينفد النفط في عمان بعد 15 عاما. ويقول الخبراء إن عمان تحتاج نحو 55 دولارا من بيع كل برميل نفط لدفع مرتبات القطاع العام. وعندما يتأرجح سعر برميل النفط أو ينخفض ​​إلى ما دون 55 دولارا – كما هو الحال لبعض الوقت- عمان تواجه إشكاليات اقتصادية.

في عام 2011، اندلعت احتجاجات في عمان بسبب نقص الوظائف والفساد أدت إلى القتل. استجاب قابوس لمطالب المتظاهرين بزيادة التوظيف العام وارتفاع الرواتب والمكافآت التي لا تزال الحكومة تدفع ثمنها.

المحللون والعمانيون بشكل خاص متخوفون: كيف يمكن للسلطان الجديد، الذي لا يتمتع بالخبرة ولم يستعد لهذا المنصب والحريص على كسب المصداقية، كيف سيتعامل مع ردود الفعل؟!

ويقول المخيني: “مع تزايد عدد الباحثين عن عمل، إذا لم ينم الاقتصاد ولم يستطيعوا تقديم مشاريع، فسوف ينتهي بهم المطاف إلى قنبلة اجتماعية… السلطان الجديد لن يكون له نفس المصداقية مثل السلطان السابق الذي تساعده مصداقيته إلى أن يصل إلى توازنات”.

وأشار دبلوماسيون غربيون إلى تزايد عدد قوات الأمن والعسكر في عمان، ويخشون من أن أي تحديات لحكم السلطان المقبل، يحتمل أن يكون محركها اقتصاديا، وأن تواجه بالقوة.

يقول دبلوماسي غربي مقره في مسقط: “إذا كان السلطان القادم ضعيفا، فمن المحتمل أن يعتمد بشكل كبير على الجيش.. وأي سوء فهم مع المتظاهرين قد يشعل الشارع”.

18‏/03‏/2017

«العقاب الجماعي».. نهج عماني يطبق على أسرة ناشط حقوقي - محمد الفزاري




قال محمد الفزاري - الناشط الحقوقي العماني المقيم في المملكة المتحدة كلاجئ سياسي - إن جهاز الأمن العماني الداخلي، أوقف للمرة الثالثة زوجته الكاتبة «بدرية المعمري» وطفليهما، في الحدود بين عمان والإمارات، أمس، من دون أي أسباب قانونية.

وأوضح - في تدوينة له على حسابه بـ«فيسبوك» - أن جهاز الأمن صادر جوازاتهم وطلب منهم مراجعة القسم الخاص في مسقط، متسائلاً: «ما هو ذنبهم؟ وما هو أفضل توصيف لمثل هكذا تصرفات وممارسات؟»، ولم يتسن لـ«بوابة الخليج العربي» التواصل مع السلطات العمانية للتعقيب على الواقعة.

«الفزاري» تمكن من الخروج خارج السلطنة والوصول إلى لندن كلاجئ سياسي، بعد أن سحبت السلطات العمانية - متمثلة في جهاز الأمن الداخلي - وثائقه «جواز السفر وبطاقة الهوية»، ومنعته من السفر على خلفية نشاطه السياسي وخلافاته مع سياسة الحكومة العمانية.

وتضامن عدد من المتابعين مع أسرة «الفزاري»، مستنكرين على السلطات العمانية اتباع هذه الأساليب. ووصف المتابعون تصرفات الحكومة العمانية بأنها «غير إنسانية، وسلوك غير حضاري واتباع لسياسة العقاب الجماعي، والتصرفات المخالفة للقانون».

وقال سليمان المعمري، إن مثل هذه التصرفات تسئ لسمعة عمان، متسائلاً: «إذا كان المغضوب عليه هو الزوج فلماذا يتم التنكيل بالزوجة وأولادهما؟».

وأعرب محمود محمد عن تعاطفه مع أسرة الفزاري، معتبرًا أن هذا التصرف إساءة أخرى إلى سمعة الوطن، راجيًا أن تتم مراجعة القوانين التي تحد من تحركات أي مواطن، ما لم تكن له تهمة أو قضية.

وقال أحمد الجيزاوي: «يحق لمحمد الفزاري أن يعيش مع أسرته في أي مكان يختاره، لا يمكن أن يمنع الأطفال من رؤية أبيهم والزوجة من لقاء زوجها بأي سبب كان، ولا يليق بالحكومة استخدام سياسة العقاب الجماعي».

وقال نصر البوسعيدي: «أن نختار الأماكن التي تحفظ لنا حقوقنا مثلما نراه مناسبا لنا هو حق مشروع لكل إنسان على وجه الأرض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وباسم عُمان احتجاز عائلة بأكملها ومنعها من السفر نتيجة الاختلاف».

وأضاف: «كنت أشعر بأن كل هذا سنتجاوزه مع مرور الزمن، وكانت البداية بمنعها من السفر برفقة الأبناء عدة مرات ومنعها حتى من المشاركة في البريمي بالملتقى الأدبي والفني للشباب، وهي شاعرة مشاركة!»، مستطردا بالقول: «كأن عمان أراد بعضهم تحويلها لسجن كبير لكل أفراد هذه العائلة وهذا لا يليق بالوطن أبدا».

وتابع «البوسعيدي»: «كثير منا يختلف مع الآخر في الانتقاد والمعارضة بالطريقة التي يسير عليها بعضهم.. ولكن يجب أن نؤمن جميعنا ونتفق باحترام وتقديس إنسانية وعائلات الجميع».

وبدوره، طالب المرصد العماني لحقوق الإنسان بضرورة إعادة جميع المستندات الرسمية الخاصة بالكاتبة بدرية المعمري وطفليها (الملاك 3 سنوات، والمهاتما سنة واحدة) والسماح لهم بالسفر.

وأوضح أن السلطات العمانية منعت بدرية المعمري وهي بصحبة أطفالها من السفر أثناء اتجاهها إلى مطار دبي، حينما أوقفتها السلطات العمانية عند المنفذ الحدودي الوجاجة، حيث طلب منها رجل الأمن تسليم وثائقها الشخصية ووثائق أطفالها (جوازات السفر)، ثم عاد إليها بعد قليل ليخبرها أنه تم حجز كل الوثائق، وأنه يتوجب عليها مراجعة القسم الخاص في مسقط، دون أن يتم إعلامها بسبب الحجز.

وبين المرصد أن العادة جرت أن يتم تفتيش وثائق المواطنين العمانيين في منافذ الحدود الإماراتية قبل دخولهم الإمارات، وليس من منافذ الحدود العمانية كما حدث مؤخرا مع بدرية.

ولفت إلى أن بدرية تعرضت سابقا للاستدعاء إلى القسم الخاص للتحقيق معها لمدة 5 ساعات تقريبا، وكان التحقيق عن علاقتها بزوجها وكيفية تواصلها معه وغيرها من الأسئلة المتعلقة بحياتها الشخصية.

وأشار المرصد إلى أن حالات المنع من السفر ليست بجديدة، وأنه تم اتباعها سابقا مع الناشطين والناشطات في المجال الحقوقي.

منظمة العفو الدولية: كفو عن مضايقة أسرة محمد الفزاري

10‏/02‏/2017

مسمار جحا - محمد الفزاري


في البلدان التي أسست أنظمتها لخدمة المواطن، لا يذكرون إنجازات الحاكم إلا استطرادا إيمانا منهم بأن هذا هو واجبه الطبيعي، وهذه حقوقهم الطبيعية.

‏لكن في البلدان التي أسست أنظمتها لاستعباد المواطن، كما هو في عمان، يجب أن يطبل المواطن على كل حق أصيل يحصل عليه من حكومته ليثبت مدى وطنيته. ويجب أن ينسب كل نقيصة لبطانة الحاكم وحاشيته فقط والحاكم منه بريء، وكل إنجاز -إن صح أن نطلق عليه إنجاز أصلا- يجب أن ينسبه للحاكم ويهلل ويطبل له ليلا نهارا.

‏المجتمعات المستعبدة من قبل أنظمتها تعاني من شيزوفرينيا إدراكية حتى في أبسط أنواع الإدراك الذي يجب أن يمتلكه كل مواطن؛ فكيف يعقل أن تجد مواطنا يلعق حذاء الحاكم على كل حق أصيل يحصل عليه، وفي ذات الوقت يبرئه من كل تقصير بحجج واهية لا يمكن أن تصدر من عقل واعي وحر.

‏وكما يقول المثل: الطيور على أشكالها تقع. فلا يمكن أن تجد بطانة مكونة من مجموعة من السفلة والعبيد واللصوص إلا إذا كان الحاكم لا يختلف عنهم أخلاقيا. ‏الحكام السفلة يحيطون أنفسهم بمن يماثلونهم ويقبلون منهم سفالتهم ويحفظون سر فسادهم وسرقاتهم. الحاكم هو من يختار بطانته وليس العكس.

‫البطانة هي مسمار جحا يعلق عليه الحاكم السافل سفالته، ويعلق عليه المواطن المصاب بالشيزوفرينية الإدراكية غباءه وجهله وقبح عبوديته‬.

02‏/02‏/2017

كلام مهم يجب أن يقال.. إلى جهاز الأمن الداخلي - محمد الفزاري


بعد مضي قرابة 6 أشهر منذ منعي من السفر ومصادرة وثائقي، قلت للعقيد الذي كان مسؤولا عن ملفي ويفرض عليّ مقابلته وديا للحديث* بين حين وآخر: أنا خلاص تعبت ما ممكن أستمر أعيش بدون وثائق، لا جواز ولا بطاقة شخصية.. ومافيه جهة قضائية قبلت تستلم تظلمي ضد جهاز الأمن.. وأنت عارف أنا ما علي أي قضية "وقتها".. وإذا استمر الحال بخرج من عمان.

ضحك ورد: أنت الإمارات ما تقدر تدخلها.

لم أرد واكتفيت حينها بالصمت مع ابتسامة ساخرة وأنا أحدثني: حد يتكلم عن دخول الإمارات ههه. بعد مضي شهرين أنا في لندن.

من الواضح أن أفراد جهاز الأمن الداخلي يفهمون أن معنى مفردة الأسرة الحاكمة في النظام الأساسي ليس فقط أنهم يملكون الحكم، بل أيضا يملكون جميع المواطنين وثروات البلاد. يعتقدون أن جميع المواطنين مجرد عبيد في مزرعتهم. وهم لهم الحق في تقرير مصيرهم. ذات الأسباب تتكرر. نحن أدرى بمصلحتكم.. نحن نحميكم من أنفسكم. هذا ما حدث معي، وهذا ما يحدث مع زوجتي، وهذا ما يحدث مع كل المواطنين المغضوب عليهم.

أنا أعرف سبب غضبكم، لأني كسرت ثقتكم العمياء بقدرتكم في التحكم بمصير المواطنين. كنتم تعتقدون أنكم قادرين على السيطرة على جميع المواطنين بترهيبكم، وغرس ثقافة الخوف، والضغط على كل خارج عن طوع أمركم اجتماعيا وأسريا. لكن أؤكد لكم هذه لعبة صبيانية عندما تقوم دولة بهذه الأفعال التي تسيء للسمعة الوطن قبل أن تسيء لكم.

وأعرف أيضا أن سبب سخطكم أكثر وأكثر، أني خرجت من عمان بأموالكم عمدا لأكسر كبرياؤكم وأصفع ثقتكم العمياء. كنتم تحاولون رشوتي منذ سنوات مقابل السكوت ورفضت.. حاولتم تبني مجلة مواطن ورفضت. لكن عندما قررت الخروج تركت كل ما أملك لأسرتي، وقلت لعقيدكم ممكن الآن آخذ مساعدة لو هناك إمكانية لأني أمر بظروف أسرية. أعطاني مبلغ صغير، وحجزت به تذكرتي وصرفت الباقي على تكاليف السفر الأخرى.

أقول كل هذا كرسالة لعل هناك رجل رشيد في جهاز الأمن يفهم ما أعني. أنتم وسلطتكم لا تملكوننا. نحن أحرار. تذكروا كلامي هذا.

أعلم أنكم منذ خروجي حاولتم كثيرا الضغط على زوجتي وأسرتها لدفعها للطلاق. للأسف أقولها أن خستكم ودناءتكم وصلت للتصريح بهذا أمام والد زوجتي وزوجتي عندما تم استدعاؤهم: "محمد يرجع أو الطلاق". تعرضتم للأسرة في أبسط حقوقهم مثل التوظيف. وماحدث مؤخرا من منع* مجرد تكملة لمسلسل خستكم لدفع أسر زوجتي لإنهاء الزواج بحجة العيب والفضيحة وكلام الناس وكذلك الخوف على مصالحهم. ولهذا أحمّل الأجهزة الأمنية هذا المصير وعواقبه.


هوامش:
*هدف اللقاءات الودية هو عمل غسيل المخ بالاضافة إلى الترهيب والترغيب لكل مواطن يخرج على عصا الطاعة. يتم نقلك من ضابط إلى آخر اعتمادا على مستوى النجاح أو الاخفاق الذي يحققه الضابط.
*لم تكن زوجتي والأولاد ينوون الاستقرار في بريطانيا، كانت مجرد زيارة قصيرة لمدة شهر.

12‏/01‏/2017

اختزال وطن - محمد الفزاري


يا ترى هل يوجد حول العالم اختزال لوطن وإرادة شعب وثروة بلد، في شخص واحد، وإرادة واحدة، ومزاج واحد، فقط، كما هو موجود في بلادي؟!

 النشيد الوطني، ما هو إلا نشيد سلطاني ودعاء لشخص السلطان قابوس! 

العيد الوطني، ما هو إلا عيد ميلاد السلطان قابوس!

 الدستور العماني والمسمى بالنظام الأساسي، ما هو إلا منحة من السلطان قابوس!

 كم من الحقوق الأساسية التي هي حق أصيل للمواطن، لا تأتي إلا بمكرمة من السلطان قابوس!

 جميع خيرات البلد، لا ينقص ولا يزيد منها إلا بأمر من السلطان قابوس! 

رؤية عمان 2020 الفاشلة ورؤية 2040 القادمة، لم تخرج للعلن إلا بأذن وتوقيع السلطان قابوس!

 لا يوجد مجلس ولا سلطة عليا، إلا على رأسها السلطان قابوس!


هو السلطان القائد الرئيس الوزير المحافظ الذي يملك عمان، أرضها وثرواتها وإرادة شعبها. هو صاحب الصوت الواحد الأحد ولم يكن ويكون له كفؤا أحد!

15‏/12‏/2016

نعم أنا ملحد بربكم الداعشي - محمد الفزاري



ما أكثر الأوصياء! ما أكثر الدواعش! ما أكثر محامي الرب! بالأمس نشرت "بوست" في صفحتي وأنا أبكي حرقة بسبب مناظر الموت العبثية العشواء التي لم يسلم منها حتى الأطفال وهم في عمر الزهور، قائلا: "هل هناك حقا إله؟! وإذا كان يوجد، هل هو عادل؟! كرهتني، أشعر بالعار والخزي كوني كائن بشري."

تخيلتني مكان أحد هؤلاء الأطفال: ما ذنبي أن أقتل؟! ما ذنبي أن تهدر آدميتي؟! تخيلتني أحد الآباء واقفا أمام كومة من الأشلاء البشرية أحاول تمييز ما تبقى من جثة طفلي! كرهتني في ذلك الوقت كوني كائن بشري، لأنه لا يوجد كائن آخر يتجرأ فعل ذلك. 

صحيح لم تكن هذه أول حرب نرى نتيجتها مثل هكذا صور، لكنها تراكمات النفس. تراكمات ألم خبطات الموت الموجعة، بكل أنواعه. كان مشهد صغير آخر فقط من مشهد أكبر، لإحساس ساورني منذ مدة وأنا أتأمل في حقيقة الموت.

أكثر خبر يهز بدني ويخيفني، خبر الموت المفاجئ. ليس لأني أخاف الموت؛ فكم تمنيت الموت في لحظات اكتئاب حادة، وكم حاولت الإنتحار وخططت له وخمرة الفكرة في رأسي حتى فسدت، لكنه يريني بكل وضوح حقيقة هذه الحياة التافهة. إنها ليست أكثر من عبث نحاول أن نتجاهله رغم معرفتنا به. وكل ما ننسى وننغمس في الحياة ومتعها بشعور أو لا شعور، يخبطنا الموت المفاجئ على رؤوضسنا خبطة تهوي بنا إلى قاع عدمية متطرفة نفقد بسببها رؤية جميع الألوان، إلا اللون الأسود. لا ترى إلا سوادا إذا نظرت خلف ظهرك، ولا ترى إلا سوادا إذا نظرت أمام قدماك، وحتى لو حاولت أن ترمي بنظرك بعيدا محاولا تجاوز السواد لا تستطيع، تراه ينتظرك هناك مبتسما: تعال.. تعال.. تعال.

في منشوري طرحت ألمي بفكرة تعمدتها. بطريقة تضمن لي الاستمرار في هذه الحياة، مؤمنا في حقي الكامل في التعبير عن أفكاري بكل حرية، مثلما قال درويش: "سنكتب من أجل ألا نموت، سنكتب من أجل أحلامنا". والسبب الآخر الذي دعاني لقول ذلك، هو لاختبار حقيقة التسامح التي يدعيها الكثير منا. لم تكن لدي مشكلة مع من أختلف مع الفكرة بكل احترام. المشكلة كانت مع من يدعون براءتهم من الأفكار الداعشية المتطرفة كل يوم. في ذلك اليوم ظهروا على حقيقتهم؛ فلو تمكنوا من رأسي وكانت لهم الكلمة؛ لفصلوه عن باقي الجسد. ما أسهل الادعاء بالشيء، وما أصعب تطبيقه في الواقع. من السهل جدا أن تدعي الثقافة وتقتبس عبارات التسامح والحرية والديموقراطية وترددها في كتاباتك وحواراتك، لكن المحك الحقيقي لاثبات ثقافتك هي مواقفك.


في هذا العالم إجابات كثيرة، وأسئلة قليلة. ما أصعب الأسئلة، وما أسهل الإجابات. ما أصعب حمل السؤال والشك، وما أسهل حمل الحق واليقين. من الصعب أن تشير بأصابع الشك إلى يقينياتك، ومن السهل أن تشير بأصابع الكفر إلى تساؤلات وشك الآخر في يقينياتك. ومن السهل جدا أن تحارب عن يقين تدعيه في إيمانك برب ما، ودين ما، ومذهب ما؛ فمعظم البشر يفعلون ذلك بدرجات متفاوتة رغم اختلاف اليقينيات التي يحملونها. معظم البشر لا يتعلم من تجربته، رغم أن مايدعيه من حق اليوم، بالأمس كان يخالفه. يستمر ويستمر في مسلسل ادعاء الحق المطلق حتى يموت!

ملاحظة: أنا لست ملحدا، ولم أدعي ذلك يوما. وإن كنت حقا كذاك، لن أخجل ولن أخاف من التصريح لو استدعى الموقف؛ فهو خيار شخصي وحق أصيل لا يستطيع أي مخلوق منازعتي إياه.

26‏/09‏/2016

من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش؟! - محمد الفزاري


قبل أيام كتب الصديق العزيز نبهان الحنشي في صفحته  الشخصية في الفيسبوك العبارة التالية: "بعض معاني الحياة، أن تعيش مع الآخرين، لا أن تعيش عن الآخرين!". من منطلق تلك العبارة، التي شجعتني القول، أجدني (مضطرا) لتوضيح نقطة معينة ل "بعض" الناس. هذا البعض الذي اختار أن يعيش عني بدل أن يعيش معي.

1- بغض النظر عن الظروف التي دفعتني للخروج من عمان سواء على مستوى التضييق الأمني من اعتقالات واستدعاءات أو حتى عندما سحبت وثائقي الشخصية لفترة طويلة (الجواز والبطاقة الشخصية)، أو غيرها من أسباب.... أراني أملك كامل الأهلية لأكون حرا في قراراتي ولدي مطلق الصلاحية لاتخاذ أي قرار أراه مناسب لي، ومن ضمنها تحديد مكان عيشتي، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

2- لم تتحمل مصاريف خروجي، ومصاريف إقامتي منذ خروجي، ولم تكن هناك مساهمة مشروطة يوما ما ووافقت أنا عليها، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

3- لم أتفق معك قبل السفر، ولم أتفق معك بعد السفر كذلك بأهداف ولا بخطة معينة، لا على المستوى الشخصي ولا على المستوى السياسي أو الحقوقي أو أو...وحتى لم أصرح يوما، سواء قبل سفري أو بعد سفري بأني أملك أهداف محددة بعد خروجي وذكرتها علنا، إلا إذا كنت ترى خلاف ذلك!

من منطلق كل ماذكر، من أين تستقي حقك لتحاسبني، أين أعيش وأين لا أعيش، وماذا أفعل وماذا لا أفعل، ماذا قدمت وماذا سأقدم ؟!!!!!!!!!!!!!

19‏/09‏/2016

#سجن_نعيمة المقبالي - محمد الفزاري




















١- اتضامن مع نعيمة المقبالية لو حقا تم اعتقالها بسبب مجموعة تغريدات ومقاطع فيديو نشرتها في صفحاتها، كما وصلني. اتضامن معها كما تضامنت مع العديد من المعتقلين سابقا احترما لمبدأ "حرية التعبير والاعتقاد" الذي أقدسه وأنادي به وأدعوا له، رغم اختلافي مع غالبية المعتقلين في عدة قناعات، وهذا أمر طبيعي. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديس المبادئ أهم بكثير من تقديس الشخوص، وفوق كل اعتبار آخر. اتضامن معها، لأني أؤمن أن تقديسي للمبدأ عبر تضامني مع معتقلي حرية التعبير والرأي، لا يعني بتاتا تأييدي لجميع خياراتهم وآراءهم وقناعاتهم، بغثها وسمينها، وعجرها وبجرها.



٢- عندما تم اعتقال حسن البشام، الدبلماسي السابق وأحد قيادات ميدان الإصلاح في صحار ٢٠١١، بسبب نشاطه عبر الفيسبوك وتوجيه له عدة تهم ومن ضمنها "التجديف علانية على العزة الإلهية "، قلت وقتها أن هذه القضية منعرج جديد ونار جديدة ستحرق وجه كل ناشط إصلاحي وكل مواطن يخالف السائد سواء على مستوى السياسة أو الدين، وهذا فعلا ما يحدث وسيحدث. وحسب علمي هناك كاتب معروف يحاكم حاليا أيضا بذات التهمة. لماذا هذا المنعرج خطير؟! أولا السلطة تعلم بحساسية المجتمع من النقد الديني جيدا، ولهذا ستستغله وتوظفه لمصلحتها السياسية لإخراس كل صوت معارض لها عن طريق توجيه التهمة التي ذكرتها. ثانيا والأخطر هو تقارب السلطة الأمنية والدينية الذي لن يخلف إلا تراجعا على مستوى الحريات وخاصة الفكرية يفوق التراجع الذي سببه التضييق السياسي.

٣- بالنظر إلى المحتوى والآراء اطلعت على كل المقاطع المصورة والتغريدات، التي تم تداولها وينسب بسببها اعتقال نعيمة، ولم أجد ما يثير كل هذا السخط، ويولد كل هذا التشنج؛ فكل ما طرحته يقوله حتى الكثير من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، لأن هذا هو الواقع فعلا.

٤- رسالة إلى كهنة ورجال الدين في عمان: هل إسلامكم أوإلهكم ضعيف لهذا القدر لكي يحتاج أن يوكل له محامين يدافعون باسمه وجلادين يعزرون بسوطه؟! ما أنتم إلا وجه من وجوه الإرهاب، وصورة مصغرة لداعش. صدق المفكر التنويري عبدالله القصيمي عندما قال: ‏إذا وُجد الإرهاب الفكري فقد وجد كل إرهاب، كما أنه إذا وجدت الحرية الفكرية زال الإرهاب كله.
٥- رسالة إلى حماة الأخلاق والقيم العمانية: أخلاقكم العمانية النبيلة والأصيلة لا يمكن أن ينكرها إلا جاحد وهو يتصفح وسم #سجن_نعيمة. كل إناء بما فيه ينضح.

٦- أنتَ، أنتِ، محامي الله، حارس القيم، تذكر أنك تملك شخصيتن، واحدة أمام المجتمع، وأخرى تخبئها لأنك تستحي منها. أتوقع أنك أدركت ماذا أعني. 
.
.
.

أرفق هنا تدوينة كتبتها تاريخ 07‏/04‏/2014 بعد الحملة النتنه التي قام بها حماة الأخلاق والقيم العمانية على خلفية نشر القاصة بدرية الإسماعيلية مجموعتها القصصية التي حملت اسم "الملح". أرفق التدوينة لأسبباب معينه أهمها تشابه الجلاد، الثانوي في هذه القضية، الجلاد الإمعة.


الجسد العماني يتألم من الملح

أكتب أخيرا عن الموضوع الذي شغل الشارع العماني في الأيام الماضية، بعد ما آثرت الصمت عن الحديث حول الموضوع محاولا قراءة ردود الأفعال التي بدرت من معظم أطياف المجتمع، باختلافاتها الآيديولوجية والفكرية والمستوى الثقافي في مواقع التواصل الإجتماعي وبعض المنتديات. وحديثي هو حول "الملح" الذي ذرته بدرية الإسماعيلية على الجسد العماني الذي أصابته الكثير من الجروح العميقة - ولست في صدد الحديث حول أسبابها - ما لبث أن انتفض تألما وبدأ يئن ويصرخ حتى وصل به المطاف أحيانا بأن يفكر بقطع تلك الأجزاء المجروحة عن بكرة أبيها؛ بل وحرقها.

ما أريد أن أوضحه هنا بغض النظر عن موقفي من ملح بدرية "هل أؤيد تلك الكتابات من ناحية المضمون أو اللغة أم أرفضها؟"، بعض الملاحظات التي أرجو أن أعرضها بكل حيادية، وبعض التساؤلات التي ستتيح الفرصة للتفكير أكثر حول هذه الظاهرة.

١
هل نستطيع أن نطلق على ردات الفعل تلك والنوبات الخاطفة نتيجة حمى انتشر فيروسها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وبالأخص "الوتساب" بأنها تمثل رأي عام للمجتمع العماني!. ما هو الرأي العام لأي مجتمع، وكيف يتكون؟ في أبسط مفاهيم الرأي العام هي تلك المشاعر والأفكار والمعتقدات والقناعات التي يعبر عنها جمهور ما أو مجموعة ما حول قضية معينة تهمه، أو مشكلة تورقه، وهنا تتمحور قوة المجتمع عندما يملك رأي عام حقيقي. ويكون ذلك التجييش من المشاعر وردات الفعل الناتجة عنها رأي عام صحي؛ عندما تغدو ركيزته الأساسية الانطلاق من النزعة الفردية الى الجماعية، وليس بنزعة جماعية إلى جماعية أخرى، يعني عندما تكون هناك أصوات فردية أكثر وعيا بما تقوله وتملكه من خبرات ومعلومات.وفي محصلة نشوء هذه الاصوات الفردية، لا يلبث الحال إلى أن تتحول إلى جماعية صحية غير إمعية. عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: كم هم الأشخاص الذين انتقدوا او انتقدوا من أنتقد او أيدوا ما كتب في الملح بعد قراءتهم تلك المجموعة؟، وكم من تلك الأصوات هي ضليعة في الأدب بشكل عام والسرد بشكل خاص؟ ذلك لأن المثل يقول "لا تهرف بما لا تعرف".

٢
هل هناك حراس تم تنصيبهم لحراسة القيم والأخلاق في المجتمع العماني؟، وهل مفهوم القيم والأخلاق بعمومها هي قيم ثابتة، وغير متغيرة حسب الزمان والمكان؟. لنتفرض جدليا أن هناك أناسا تم تنصيبهم، أو نصبوا أنفسهم لحماية الخصوصية العمانية بما تحمله من قيم وأخلاق؟، أليس من واجبهم أن يمارسوا تلك المسؤولية بكل أمانة وصدق وإنصاف، ويكونوا قدوة في تطبيق تلك القيم والأخلاق التي يحمونها؟ كم من القيم والمبادئ وحقوق أفراد ومجتمع تهدر يوميا، ولم نرى مثل ردات الأفعال تلك ولا حتى همسا؟. مع تأكيدي لكي لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، أنني لا أحاول هنا توجيه قناعات البعض نحو اتجاه معين؛ لإيماني في الكثير من القضايا الخلافية أنه ليس من الضروري وجود حقيقة مطلقة. أحيانا الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تختلف عن بقرة أفلاطون؛ فالبعض يتشبث بقرنها والبعض بحافرها والبعض الآخر بذنبها. الكل لامس جزء من الحقيقة فقط، والواجب السعي والبحث عن الأجزاء الأخرى، وليس الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.

٣
هل ما حدث من تجييش يحمل بين طياته وأعماقه نوع من التحامل على جنس معين على الآخر، أم لم يحدث؟ فبدون أن أسمي وأشخص كم من الروايات والمجموعات القصصية التي تم نشرها وعرضها في المعرض في السنوات الأخيرة لكتاب عمانيين "ذكور" وكانت تحمل نفس الأفكار وذات المصطلحات، ولم نسمع أي اعتراض من تلك الأصوات التي علا صوتها مؤخرا! هل القيم والأخلاق تختلف عند جنس إلى آخر؟

٤
سقط البعض وللأسف في مستنقع من الوحل وهوى بأخلاقة إلى القاع وهو يدافع عن الأخلاق عندما قام بتشخيص الموضوع وبدأ يتفنن في قذف الكاتبة والبعض منهم لم يتورع عن تأليف القصص الكاذبة، وهذه هي قمة المفارقة. والمثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح".


18‏/09‏/2016

قراءة: الإرهاب بين الإسلاموفوبيا والغربفوبيا - محمد الفزاري




يكاد يكون مصطلح "الإرهاب" من أكثر المصطلحات ترددا في وسائل الإعلام وخطب السياسيين وحتى في أجندة وبرامج المرشحين والأحزاب السياسية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حتى اليوم، وكذلك أزعم حتى الغد البعيد جدا. وظفته كثير من الدول الكبرى كأحد وسائل الصراع الناجعة في تحقيق مصالحها، وبوجه الدقة مصالح المسيطرون على الرأي العام وعلى ديموقراطيتها واستثماراتها من شركات عابرة القارات عن طريق الانتقائية في التصنيف حسب أهواء المصالح السياسية والاقتصادية. ولهذا روجت الولايات المتحدة، أقوى قوة بحكم قبضتها الاقتصادية والعسكرية المطلقة، لتصنيفاتها وتعريفاتها للإرهابيين والإرهاب بشكل عام بحسب ما يتناسب مع مصالحها ومصالح حلفائها، وأصبحت كباراديغم أعلى يحتذى به في حربها على الإرهاب عسكريا وإعلاميا. وبدون أدنى شك من الخطأ التعميم أيضا على كل ما هو غربي وإلصاق به تهمة المؤامرة كما تفضله بعض الحكومات العربية المستبدة كأسهل وسيلة للإلهاء والسيطرة على شعوبها. هذه السياسة كذلك انعكست وأثرت على العقل الجمعي العربي كمتلقٍ، وكناقد، فضلا عن تأثير تأويلات الدين وخاصة السياسية منها في شيطنة وتكفير الآخر وإلصاق به تهمة العداء والمؤامرة على الدين الإسلامي. كل هذه التداخلات المعقدة دفعتني لعمل مقاربة حول واقع الإرهاب والإعلام والمتلقي.



واقع الإرهاب
بيد أن تعريف الإرهاب لم يظهر في القواميس العربية حسب شكلها وتعريفها الحالي إلا حديثا، واشتق المصطلح من الفعل المجرد "رهب" الذي كان موجودا في القواميس القديمة ويعني أرهب وخوف وأفزع(1) ، إلا أن ممارسة الإرهاب حسب المفهوم الحالي كأحد الوسائل المستخدمة في الحروب والصدام والسيطرة بين الحضارات في حروبها السياسية والجماعات الدينية في حروبها الطائفية والمذهبية، يعد فعلا قديما مارسته البشرية قديما وحديثا على مر العصور. وهذا بخلاف ما تروج له بعض القوى حاليا سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، مقصودة أو غير مقصودة، وربط فعل الإرهاب بجماعات معينة ودين معين كأفعال ووسائل مستحدثة لتحقيق أجندتها. 

من خلال بحثي البسيط عن تعريف الإرهاب وجدت العشرات من التعريفات الرسمية لمراكز ومنظمات ومؤسسات حكومية وغير حومية، عربية وأجنبية. الغريب جدا أني لم أجد تعرفين يتماثلان في المفهوم تقريبا، وهنا تكمن أحد أهم الإشكاليات. لا يوجد مفهوم واضح ودقيق متفق عليه دوليا لتعريف الإرهاب. قد يرجع السبب وراء ذلك إلى عاملين: الأول كما أشرت له سابقا وهو أن التعريف يجب أن يتناسب مع مصالح الجهة التي أصدرت التعريف. ثانيا: قد لا يكون هذا السبب بعيدا عن السبب الأول الذي ذكرته إلا أنه أكثر تعقيدا لأنه لا يعتمد على مصالح مادية واضحة المعالم قدر ما يعتمد على عقائد يؤمن بها إنسان ويكفر بها الآخر ويرفضها وينظر إلى متبنيها كعدو أولا وإرهابي ثانيا؛ وأعني هنا العمل النضالي الثوري سواء كان باسم الوطن أو العقيدة، والطرف الآخر هو مكافح للعمل النضالي. وهناك أمثلة كثيرة أهمها في الوقت الحاضر ما يحدث بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي. 

إذن ما هو الإرهاب؟ لكن قبل أن أتطرق للتعريف أود أن أشير إلى مسألة مهمة، لكيلا أقع في ذات المطب الذي انتقده سابقا عند تعريف فعل الإرهاب، أزعم أني حاولت أن أقدم تعريفا مجردا من أي مصالح شخصية وغير مبطن بعقائد سواء ثورية أو دينية. الإرهاب يعني هو جريمة يستخدم فيها العنف والقوة أو التهديد بها، ضد مدنيين، بطريقة منظمة، لنشر الرعب والرهبة من أجل تحقيق مصالح ومكاسب معينة، سواء كانت سياسية أو دينية أو عدمية. ومن خلال هذا المفهوم أستطيع أن أصنف أنواع الإرهاب الحالي كالآتي: 1- إرهاب سياسي. 2- إرهاب ديني. 3- إرهاب ثوري. 4- إرهاب عدمي. 


الإرهاب السياسي: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بسياسات سلطة ما ضد شعبها من منطلق الحفاظ على الاستقرار والأمن القومي، أو ضد شعوب أخرى من منطلق إمبريالي وقانون الغاب، القوي يأكل الضعيف. وهذا مباشرة يجرنا نحو نظرية المؤامرة التي تستخدمها السلطات المستبدة، التي أناخت بكلكلها وجثمت على صدور شعوبها منذ عقود طويلة، كشماعة لممارسة إرهابها ضد شعوبها والترويج لها عن طريق وسائلها الإعلامية في أشكال مختلفة من البروبجاندا المبتسرة، كأحد وسائل الإلهاء عن القضايا الكبرى الداخلية، والتجييش نحو فكرة وهمية غير موجودة واقعيا إلا في عقل مدبريها. وأرى أن الواقع العملي جدا مختلف؛ فقانون الغاب هو سيد الواقع، والدول القوية عتادا واقتصادا تسيطر بشكل مباشر وغير مباشر بالدول الأخرى الأضعف، وتبحث عن مصالحها حتى خارج حدودها الجغرافية، وحتى لو أدى ذلك إلى انتهاك سيادة وحرمة الآخر من الدول. ولهذا بدل تجييش الشعب نحو فكرة وهمية ليبقى أسيرا لها، ويفسح المجال للسلطة في تزعم الشعب بكل أريحية تحت وطأة الاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية والرؤية الاقتصادية بحجة الممانعة والتصدي للمؤامرة، على الدولة الضعيفة أن تقوي نفسها من الداخل؛ فتعزيز فكرة المواطنة وقوة التعليم وانتشار العدالة الاجتماعية ووجود رؤية اقتصادية هو أفضل دفاع وحماية لأي دولة من أي عدو خارجي متربص. وهذا ما أكده ابن خلدون في مقدمته عندما قال: "لا نلوم الخارج الذي دخل؟ بل اللوم على الداخل الذي خلق الفراغ".

ولأن العالم يدار بقانون الغاب كما أسلفت الذكر، مارست القوى العظمى شتى أنواع الإرهاب وقت الحاجة والضرورة ضد كل من يقف أمام مصالحها. هذا ما قامت به على سبيل المثال الدولة العثمانية ضد الشعوب المحيطة بها، وهذا ما قامت به النازية ضد شعوب أوروبا الأخرى، وهذا أيضا ما قامت به فرنسا ضد الشعب الجزائري المحتل يوما ما. حديثا، ما قامت به أمريكا في أفغانستان والعراق لا يختلف عن هذا المفهوم من الإرهاب. والأنكى من ذلك، ظهور منظرين لهذا النوع من الإرهاب حتى مسمى نظرية الفوضى الخلاقة! 


الإرهاب الديني: ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بدوغمائيات العقيدة وتشريعات الدين نفسه التي تنظر للآخر المختلف بنظرة الكفر المباح دمه، ويتفاوت مستواه مع اختلاف التأويل للموروث الديني. ولو تحدثنا عن إرهاب الإسلاموي وهذا ما يهمني أكثر لسببين: الأول، أكثر نوعا من الإرهاب الديني انتشارا في العالم في الوقت الحالي. ثانيا، خلفيتي الإسلامية تحتم عليّ تشخيص مشكلتي وتفكيكها أولا ومن ثم المحاولة للوصول إلى حلول إن أمكن ذلك قبل الحديث عن الديانات الأخرى. بيد أني لا أنفي ولا أؤكد وجود التطرف في الأديان والطوائف الأخرى. وليس غرضي أيضا نفي أو تأكيد وجود أجندات استخباراتية خلف أي حادثة إرهابية إسلاموية، وحتى خلف ولادة أي مكون إرهابي إسلاموي. لأن كلا السياقين بعيد كل البعد عن قضيتنا الداخلية المحورية. فنقد الأول لا يعالج إشكالياتنا، ومناقشة الثاني والاستسلام لفكرة وجود المؤامرة على الإسلام والدول العربية ما هو إلا إلهاء يبعدنا عن أصل المشكلة. لكن، لو افترضنا جدلا وتجاوزا، أن كل عمل إرهابي خلفه مخطط استخباراتي؛ فلا بد من وجود مفاتيح خاصة تُستخدم لفتح أبواب تلك الأجندة. وإحدى هذه المفاتيح "التأويلات الإرهابية للموروث الإسلامي". بالمختصر، لو لا وجود مفاتيح سهلة يستطيع استغلالها العدو لما حدث ما حدث.(2)

ولو أخذنا الحالة العراقية كمثال على الإرهاب الديني بين المذاهب، سيتضح جليا لنا تداخل الإرهاب السياسي الخارجي والداخلي مع الإرهاب الديني. وعلى الرغم أن الإمبريالية الغربية لها دور في تطور هذا الوضع الدموي، إلا أن الخلافات المذهبية والمذابح الدموية المازوشية بين الطوائف الإسلامية مع بعضها بسبب التأويلات الإرهابية عميقة وقديمة جدا. من المغالطة أن ننكر أثر العدوان الأمريكي في تفاقم الوضع، بيد أن العدوان لم يخلق هذه التأويلات المتطرفة الدموية، بل كان موجودا في كل بيت وكل عقل مسلم تقريبا. فقط كان مكبوتا بالقوة في أوقات ما. ولهذا نحن لا نريد علاجا سطحيا يدغدغ مشاعر المسلمين المهزومين معنويا وماديا قدر ما نريد علاجا يعالج أصل المشكلة، لأن إلقاء اللوم على الآخر لا يعالج المشكلة إطلاقا وستبقى ثغرة يستخدمها العدو دائما.

وكما قلت سابقا في عدة مناسبات، "الارهابي الإسلاموي مريض نفسي. الشخص الداعشي حسب التوصيف الجديد إعلاميا للإرهابي المتأسلم، أو المنتسب للإسلام كما يفضل البعض من المسلمين التوصيف؟ أرى أنه كائن مشوه بعقد نفسية جاءت نتيجة عدة عوامل مرتبطة لا يمكن فصلها عن بعض. هذه العقد تدفع بصاحبها لأخذ منحى انفعالي لاشعوري للقيام بتصرفات غير واعية باتجاه الأسباب المكونة والمولدة لتلك العقد. وأرى أن جميع التنظيمات الإسلاموية التي ظهرت بعد الصحوة الإسلاموية تشترك في المكون نفسه. جميع منابعها متشابهة التي يمكن حصرها في أربعة أسباب رئيسة: 1- استبداد حكام العرب (الاستبداد الداخلي)، 2- استبداد الغرب على الشرق (الاستبداد الخارجي)، 3- طموحات عودة الخلافة الإسلامية المقدسة المزعومة، 4- الموروث الدموي في كتب التاريخ والسنة (والقرآن حسب فهم بعض الفرق الإسلامية). وطبيعة هذه الأسباب المكونة لظاهرة داعش المتداخلة مع بعضها التي يصعب فصلها سواء على مستوى التشخيص أو العلاج."(3)


الإرهاب الثوري: هو إرهاب غير واضح المعالم لأن صاحبه ينظر إليه كعمل نضالي وثوري وأحد الأدوات التي تنطبق عليها النظرية الميكافيلية "الغاية تبرر الوسيلة"، بينما يصنفه الواقع عليه الجرم، ومكافحُه بأنه عمل إجرامي وإرهابي. وبغض النظر عن الكثير من التفاصيل التي قد تكون مهمة ومفصلية، إلا أن الأهم هو المبدأ الذي لا يمكن أن يتجزأ؛ فكل عمل عنيف يُستهدف فيه المدنيون بالقتل أو التهديد بغض النظر عن فاعله وغايته وتوجهاته، هو بدون أدنى شك عمل إرهابي. وغالبا في مثل هذا النوع من الإرهاب تجد كلا الطرفين يمارسان الإرهاب ضد الآخر مبررين ذلك بغايتهم النبيلة. والأمثلة كثيرة على ذلك: أشرت سابقا على الصراع الدائر بين المنظمات الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، كذلك ما يحدث بين الحكومة السورية والثوار بمختلف توجهاتهم وعقائدهم، وكذلك ما يحدث في ليبيا بين أطراف الصراع. وقديما ممكن أن نستدل على الثورة الفرنسية والروسية والبلشفية بعد ذلك بين الحكومات والثوار. وينطبق الحال كذلك على سبيل المثال على منظمة فدائيي أمريكا، والألوية الحمراء وجماعة بادرماينهوف.


الإرهاب العدمي: هو ذلك النوع من الإرهاب الذي يتعلق بالفرد نفسه دون وجود أجندات منظمة تدار من جهات معينة. وليس من المنطق أن يصل إنسان لهذا المستوى من التوحش والمازوشية إلا إذا كان يعاني من أمراض نفسية جاءت نتيجة عقد ما. وقد يُستخدم هذا النوع من الإرهاب في تحقيق رغبات وغايات الإرهاب الديني والسياسي والثوري، كأحد الوسائل السهلة في توظيفها لتطبيق تلك الأجندة مثل ما أشرت على سبيل المثال في توصيف الإرهاب الداعشي. ومؤخرا حدثت في أوروبا عدة حالات إرهابية فردية لأسباب مختلفة مثل ما حدث في ألمانيا المعروف إعلاميا بهجوم ميونخ الذي راح ضحيته 9 قتلى من المدنيين. وكذلك الهجومان اللذان تم تنفيذهما بالساطور في ألمانيا وراح ضحيتهما قتيلة وعدة جرحا.



واقع الإعلام
من ضمن الحادثتين اللتين ذكرتهما وتم تنفيذهما بالساطور، إحداهما قام بها شاب أفغاني طالب للجوء في ألمانيا ويبلغ من العمر 17 عاما على ركاب قطار مدنيين. ما لفت انتباهي وأنا أتصفح صحيفة "الجارديان"، التي أثق في موضوعيتها بشكل أكبر كصحيفة ناطقة باللغة الإنجليزية من الصحف الكبرى الأخرى، عنوان تقرير الحادثة التي أشرت إليها وجاء كالآتي "مراهق يهاجم ركاب قطار بساطور وسكين في ألمانيا"، وذكرت بقية التفاصيل في محتوى التقرير. ما استوقفني في هذا التقرير هو تحرر السياسة التحريرية للصحيفة من التوجه العام المسيطر عليه بشكل أكبر هاجس الإرهاب الإسلاموي. كان بإمكان أن تعنون الصحيفة تقريرها كالآتي "إرهابي مسلم من أصول أفغانية يهاجم ركاب قطار في ألمانيا". هل هذا العنوان خاطئ؟ طبعا لا، لكن في المناخ الإعلامي الدولي الحالي سيعطينا مباشرة شعورا بأن الصحيفة أسيرة هاجس الإسلاموفوبيا مثل ما وقعت في هذه الإشكالية معظم الصحف والقنوات الأجنبية الكبرى الناطقة باللغة الإنجليزية. ولهذا لاحظ الكثير من متابعي هذه الصحف والقنوات تباينها وعدم موضوعيتها في طرحها لمثل هذا النوع من الأخبار متأثرة بالمناخ السياسي العام وتفسيرات الدول الكبرى لمعنى الإرهاب. فعند أي حادثة إجرامية إرهابية قام بها مسلم، تسارع هذه الوسائل الإعلامية في توصيف الحادثة بأنها عمل إرهابي ومن قام بها شخص إرهابي، حتى تطور الوضع أكثر ليأتي هذا الحكم قبل الانتهاء من التحقيقات. لكن من جهة أخرى لو قام بهذه العملية غير مسلم سيذكر الخبر بشكل هامشي ولن يعطى المقدار نفسه من التسليط الإعلامي، وسيوصف الفاعل أنه فقط مختل عقلي، ما دام غيرَ مسلم. 

بيد أنه حتى بعض القنوات والصحف العربية الكبرى لم تسلم من هذه الفوبيا لكن بشكل معاكس؛ فحاولت تجييش الشارع العربي وليس فقط للفت انتباهه للإشكالية التي ذكرتها. فوصل الحال عند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم يتم التبرؤ من الفاعل بالمطلق وأن ليس للإسلام أي صلة بالحادثة وما هي إلا نتائج الإرهاب الغربي على الإسلام والمسلمين. والمعيب جدا أن يصل الحال لدرجة الشماتة دون أي نوع من الاستنكار للفعل الإرهابي المشين. السؤال الأهم: هل سينتهي هذا النوع من الإرهاب بهذه المعالجات السطحية والساذجة؟!



واقع المتلقي
المتلقي الغربي بحكم معاشرتي له هو ضحية كغيره من المسلمين والعرب لأجندات الإعلام والسياسات الدولية. ومثل ما يوجد هناك أناس في دولنا تحرروا من هذه القبضة كذلك الحال عند المتلقي الغربي. لكن المحزن هو نسبة هؤلاء الناس الواعين المدركين للواقع مقارنة بالبقية الأخرى. لا أستطيع أن أقول إنها نسبة قليلة ولكن أيضا ليست الغالبية العظمى. واتضح لي هذا من خلال نقاشاتي وحواراتي مع العديد من الأصدقاء والمعارف من جنسيات غربية مختلفة. لكن الجميل عند معظم هؤلاء وقت محاورتهم أن مداركهم غير مسورة بمقدسات تمنعهم من التحاور بشكل سلس؛ فالحجة والبرهان هو الميزان والكفة الحاسمة في نهاية أي حوار، بخلاف ما يحدث عند حوار عربي مع عربي آخر في الغالب!

ننتقل إلى المتلقي العربي أو بالأصح صورة معينة من صور المتلقي العربي. مؤخرا ظهرت عدة أسماء في مواقع التواصل الاجتماعي عبر صفحاتها الشخصية بدأت تقدم نقدا ساخرا عبر نشر مقارنات لأحداث وقضايا وشخصيات أحدها تمثل العالم الإسلامي والعربي والأخرى في النقيض تمثل العالم الغربي المتقدم. وخلافا للعادة، هذه المقارنات تحاول أن تظهر الجانب القبيح للحضارة الغربية والجانب المشرق للعالم الإسلامي والعربي. ورغم امتعاض البعض من هذا النوع من النقد إلا أني لاحظت هناك أيضا تعاطفا وإعجابا من عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ليس بالهين. وشخصيا أراها ردة فعل صحية وأناصرها لأنها ستخلق توازنا رغم عدم موضوعيتها في طريقة تفكيك الصورة للجانب الغربي في أحيانا كثيرة، وهذا ما ينقصها. وأصفها بردة الفعل لأنها أتت كنتيجة للتقديس الأعمى للغرب وجلد للذات بشكل مفرط من قبل البعض قد يكون سببه أيضا عدم فهم وتفكيك مفهوم "الغرب". لذا تفكيك مفهوم "الغرب" الذي نعجب به كثيرا ونكرهه في ذات الوقت كثيرا، مهم جدا. لكن لماذا هذه الازدواجية في الصورة وما سببها؟! فنجد هناك ثمة من يحارب كل ما هو غربي، لأنه فقط غربي! وهل الغرب بضاعة في محل بيع بالجملة، لكي تشرتيها بالكامل أو ترفضها بالكامل؛ فهناك إمبريالية نرفضها وننددها، وهناك تكنلوجيا نحتاجها ونتعلمها، وهناك مجتمع المدني نتشارك ونتعاون معه، وهناك عادات وتقاليد يأخذ ويرفض كل فرد منها حسب قناعاته الفردانية الخاصة. 

هذا المتلقي ذاته وقع أسير هاجس الغربفوبيا؛ فعند أي حادثة إرهابية يقوم بها مسلم تكون ردة فعله واحدة ومحددة. في البداية مباشرة سيحاول أن يبرئ الإسلام من ذلك الفعل الإرهابي المشين. ثانيا، وهي مرحلة "مؤسفة" أن يصل حال البعض لهذا المستوى من الانحطاط للأسف، أن يحاول تبرير الدم البريء بدم بريء آخر حتى دون أي نوع من الاستنكار! وكان الأوجب كمتلقٍ من هوية إسلامية، وكإنسان أولا، اتخاذ موقف أخلاقي برفض الإرهاب بكل أشكاله، بالمطلق. ومن ثم يأتي باب النقد عن طريق تشخيص المشكلة والمحاولة في تفكيكها وإيجاد الحل إن أمكن، بدل الانشغال في البحث عن المبررات؛ فالإرهاب الإسلاموي هو تراثنا الدموي، وإسلامنا السياسي، واستبداد حكامنا، وإمبريالية الغرب.

هناك مشكلة أخرى يعاني منها المتلقي العربي والمسلم، أنه عالق بين فريقين: الأول والأوسع يريد الماضي والأموات أن يحكمونا. والفريق الآخر والأقل يريد المستقبل وتهميش التراث أن يحكمنا، وبين هذا وذاك المسلمون ضائعون. ومن الأفضل والأنفع ألا نتجاوز الموروث الإسلامي وتأويلاته الإرهابية، لو أردنا تجاوز عواقبه وأضراره. يجب أن نفككه بمنهجية النقد التاريخي والفيلولوجي ونكسر التابوهات ونصهر المقدسات.

أختم مقالتي برسالة بسيطة لكن مهمة جدا للارتقاء بحسنا الإنساني: من العار أن نبرر الخطأ بخطأ آخر! ومن العار أن نبرر الدم البريء بدم بريء آخر! ومن العار أن نبرر الظلم بظلم آخر. أليس هذا هو منطق الاستبداد؟! أليس هذا هو منطق الإرهاب؟! ولأن الأخلاق مطلقة، ولأن المبادئ لا تتجزأ؛ وجب رفض الإرهاب مهما اختلف المكان، وتعددت الأسباب، وتنوعت الأهداف، وتباينت المنطلقات والآيديولوجيات، يبقى الإرهاب واحدا والنتيجة واحدة. 


....................................................

الهوامش:

1- انظر: د. لمياء الطويل، الفرق بين الجهاد والإرهاب، موقع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية:


2- انظر: محمد الفزاري، قراءة: داعش بين الواقعية الكوسموبوليتية والتنظير الإسلاموي اليوتوبي، مجلة مواطن، العدد 24:


3- المصدر السابق




نقلا عن مدونتي نشر المقال في صحيفة الخليج العربي