التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب السياسي الإسلامي بين مطرقة جمود التقليديين وسندان جحود التغريبيين - محمد الفزاري


لا يوجد إنسان يمتلك الحقيقة المطلقة ولا الصواب الكامل، ومن هذا المنطلق وهذه القناعة يجب يمتلك كل إنسان تواضعا وتقديرا لذاته واحتراما للآخرين.

وهذا ما جاء الإسلام ينادي به منذ ولادته والرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم ضرب لنا أفضل الأمثلة في هذا السياق عندما كان يأخذ ويستفيد من غيره من المسلمين وغير المسلمين، والاستفادة مما يملكونه من صواب مهما كان حجم خطأهم، حيث أن الصواب والخطأ نسبيان في بني الإنسان، وهذا يدلنا على البعد الفكري البشري العميق عند الرسول بجانب كونه رسولا ببعد نبوي ورسالي معصوم، وتربى على هذا المنهج صحابته الكبار فنجد أبو هريرة رضي الله عنه يستفيد من الشيطان في قيمة آية الكرسي لتحصين الإنسان من الشيطان.

فلا يجب أن نقف وقفة معارض لكل ما يأتينا من الغرب وفي الوقت نفسة لا يجب الذوبان ونقل تجربتهم بحذافيرها، فليس جميع ما يصلح معهم يصلح معنا، والسبب هو الاختلاف في البعد الديني والحضاري والثقافي في مكونات مجتمعاتنا العربية الإسلامية؛ فنجد الكثير من التقليديين الجامدين يقفون موقفا صارما حيال كثير من التغيرات التي تحدث في مجتمعاتنا في جميع المجالات ويصفونها أنها دخيله على مجتمعاتنا ومن ينادي بها هو تغريبي أو تأثر بالفكر التغريبي، وفي الطرف الآخر نجد الكثير من انبهر بالحضارة الغربية ويرى أنها هي التجربة الحقيقية التي يجب أن نحتذي بها في مجتمعاتنا لنرى النور وهي السبيل الوحيد للإصلاح ورفع من قيمتنا.

من يرى أن أساس التقدم الحضاري عند الغرب هو عزل الدين في الكنيسة عن كل مجريات الدولة وعزل الدين عن العلم فهو صحيح. حيث أن الدين كان حجر عثرة أمام تقدم العلوم، لكن هل صحيح أن الإسلام يشكل حجر عثرة وعائقا أيضا أمام تقدمنا العلمي والحضاري، ولكي نجيب عن هذا السؤال يجب أن نعلم الفرق بين مفهوم الدين والكنيسة عند الغرب سابقا وبين مفهوم الدين الإسلامي. فما تأخر المسلمون إلا بسبب هجرهم للإسلام الذي تتزاحم فيه قيم الحضارة والتقدم من اهتمامه بالعلم والفكر والعمل والإنتاج واهتمامه بالحريات وحقوق الإنسان. وفي هذا يقول المصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغاني - مؤسس تيار الجامعة الإسلامية الذي كان يدعوا للإصلاح والتجديد الفكري- " إذا ستقرينا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان لا نجد إلا سببا واحدا وهو القصور في التعليم الديني، إما بإهماله جملة كما هو في بعض الدول وإما بالسلوك إلية من غير طرقه الصحيحة "، ومن وجهة نظري السلوك من غير طرقه الصحيحة هي الأخطر، لأن الإهمال نهائيا يكون واضحا للعيان ويمكن تغييرة.

وهذه دعوة لجميع المنبهرين بالحضارة الغربية والتي يجب أن نتعلم منها بدون شك بدون الذوبان في أعماقها.  وما على  اليساريين والعلمانيين الباحثين عن الحقيقة إلا أن يقرأ كتاب المجدد والمصلح الكبير في العصر الحديث الشيخ محمد الغزالي "من هنا نتعلم".

أين طريق الإصلاح؟! سؤال يجب علينا أن نجيب عليه. هل هو بالجمود عن كل ما يدور من حولنا وما قام بتطبيقه الغرب وسبقونا به وصلوا إلى ما وصلوا إليه من تقدم؟!، أم بالذوبان في تجربتهم ونقلها وتقليدها بطريقة عمياء ونكران وجحود لكل تعاليم الدين الإسلامي؟!. الطريق هو "الوسطية في الفكر، والموازنة بين النقل والعقل"؛ فالنقل هو المثال والعقل هو الذي ينزل المثال على الواقع ويرتقي به. النقل يمثل السلطة التشريعية والعقل السلطة التنفيذية، وبهذه التركيبة الفكرية نضمن الأصالة والمعاصرة والثبات والمرونة بين كل ما يأتينا من الغرب وبين كل ما يدعوا به ديننا الحنيف من تعاليم.

وهذا ما جاء يدعوا به الإسلام من تعاليم وسطية وشمولية تخاطب جميع الناس كافة ولا تخاطب المسلمين فحسب، ولا تبحث عن حلول لمشكلات المسلمين فقط بل إلى جميع مشكلات العالم أجمع وهذا عكس ما كانت تدعوا به الكنيسة سابقا من تعاليم، التي كانت تنشر الحقد والبغض ضد الحضارات الأخرى بغض النظر عن حكرهم للعلوم وقتلهم للعلماء. فلا ريب إذن عندما خرج الغرب ضد الكنيسة وضد تعاليمها مما أدى إلى تهميشها نهائيا، أين الإسلام من هذا؟!

الإسلام جاء ليوازن بين حقوق وواجبات الفرد وحقوق وواجبات المجتمع دون أن يسحق الفرد تحت أقدام المجتمع كما حدث في المجتمعات الاشتراكية قديما وحديثا، ودون أن يسلب الفرد كثيرا من حقوق المجتمع كما في المجتمعات الرأسمالية والإقطاعية قديما وحديثا؛ فجاء الإسلام ليوازن بين الأثنين ويهتم في مكونات المجتمع من أفراد لأن الفرد هو أساس المجتمع من خلال الجمع بين سلطة الإيمان الداخلي (الضمير او الخوف من الله) وسلطة الرقيب الخارجي (الحكومة او القانون).

وهنا اختلف المصلحان الكبيران محمد عبدة وأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني في عملية الإصلاح ومن أين تبدأ. هل الأهم لإصلاح المجتمع هو الدخول من بوابة الفرد والتربية كما نادى بها محمد عبدة أم من بوابة الحكم والسلطة والقانون كما يعتقد الأفغاني؟!. وكما يقال اختلاف الرأي لا يفسد في الود قضية، حيث إنهما اجتمعا في الغاية والهدف واختلفا في الوسيلة، اجتمعا أن التربية والتعليم للفرد هي من أولويات الإصلاح ، فالفرد هو المكون الحقيقي لأي مجتمع فإذا صلح، صلح المجتمع، ويؤكد هذا بديع الزمان النورسي - هو الأب الروحي لكل الحركات الإسلامية الإصلاحية الحديثة في تركيا والملهم الأول لجميع الإصلاحيين مثل نجم الدين أربكان ورجب طيب أردوغان وعبدالله جول- فيقول أن أشد أعدائي ويقصد أعداء الإصلاح في أي مجتمع هم الجهل والفقر والفرقة، وهذا يدلنا على أهمية التعليم في ارتقى وتقدم أي مجتمع ودليل واضح لأي حكومة إذا كان اهتمامها على التعليم فهي تنوي الخير والصلاح للمجتمع أما إذا كان غير ذلك فلا خير فيها.




رسالة خارج النص

العلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة بشتى أنواعها هي علاقة تجاورية تكاملية لا تزاحمية تنافسية