التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من رضع ثدي الذل دهرا...رأى في الحرية خرابا وشرا - محمد الفزاري


من رضع ثدي الذل دهرا
رأى في الحرية خرابا وشرا
 محمود درويش

لوهلة من الزمن أمام الكيبورد، كلتا يداي متسمرة وعقلي مشوش وحائر وأنا أحاول أن أبدأ هذا المقال، الأفكار تتسابق لتحظى  بالأسبقية. قررت بعدها أن أتوقف، تذكرت عدة مقولات شعبية منتشرة بين العمانيين "بن عمك أصمخ" و"كأنك تنفخ في قربة مخروقة"، وكثيرة هي المقولات التي تنتشر بيننا كأنها مخدر، مفعولها لا يختلف عن المخدر الذي يعطى للمريض وهو على السرير في غرفة العمليات، وأشهرها "مد إلحافك على قد رجولك"، وهذا هو العماني لا يتخلف،  ويمد رجليه لطول مناسب لا يزيد عن لحافه لسنوات، بل هي عقود وهو صابر رغم حلك الليالي ومرها، وضيم  الزمان وهمه، إلى متى يا عماني وأنت تعيد وتعيد مقولة ورثتها عن آبائك و أجدادك، وستورثها لأبنائك وأحفادك، القناعة كنز لا يفنى.

سلبت جميع حقوقك وحرياتك وأنت ما زلت ذلك الشخص القنوع البسيط، القناعة جميلة والبساطة أجمل، لكن كما يقال لكل شيء حدود، وكل ما زاد الشيء انقلب ضدك. أنا أستغرب من المواطن الذي لا يستطيع أن يأكل ثلاثة وجبات في اليوم، وما زال يمدح في حكومته ويشكرها "ما مقصرة الحكومة معنا"، أو البعض يختزل الحكومة في السلطان لأن الإعلام أفهمه هذه الحقيقة "ما مقصر السلطان معنا" وإذا انتقد السلطان أمامه قال "أستغفر الله ماذا تقول، السلطان عيشنا وعطانا من خيره وبنالنا مدارس ومستشفيات وعمل لنا شوارع".

من السبب في ضياع حقوقنا؟!، من السبب في ضياع العدل؟!، من السبب في ضياع الحريات العامة؟!، من السبب في انتشار الاستبداد والاحتناك؟!، ومعاناتنا من سطوة الظلم وجور الطبقية؟! "نحن السبب". وكما تكونوا يولى عليكم، في ظل غيام الوعي العام، عن ماهية حقوقنا وواجباتنا ، ومستوى الحريات المطلوب في أي دولة ديمقراطية تحكمها المؤسسات العادلة، غياب الوعي عن الدور الرئيسي والحقيقي لأي حكومة ولأي حاكم ينوي الصلاح والإصلاح، من يدرك أن الدولة الحق ما هي إلا شركة أنشأها المجتمع أو الأفراد لصيانة تلك الحقوق والحريات.

{فاستخف قومه فأطاعوه}  واستخففنا واستخف بنا وبعقولنا طوال السنوات المنصرمة بعدة عبارات ما انزل الله بها من سلطان، النهضة المباركة والحكومة الرشيدة والخصوصية العمانية، طبعا في ظل وجود هالة إعلامية قوية هولت موضوع الرشد والرشاد والنهضة والتغيير وأهمية خصوصياتنا، والنتيجة الانجرار الأعمى والسخيف للأسف بدون الوقوف للحظة مع أنفسنا ونسأل:  ما هو حجم الإنجاز الذي حدث؟!، وما هو الإنجاز الحقيقي؟!، هل هو فقط كثرة الشوارع والمدارس والمستشفيات! هل وقفنا مع أنفسنا وقارنا بدولتنا مع دول حدثت نهضتها بعدنا بسنوات؟!، ورغم قلة الموارد الطبيعية أو بالأصح قحط وانعدام من تلك الموارد التي نملكها، أين هم وأين نحن؟!،  ماذا حدث معهم من إنجاز وتغيير وما ذا حدث معنا من إنجاز وتغيير، لكن أن ندرك متأخرين خيرا من أن نستغفل طوال عمرنا، ونقف للحظة ونفكر بعين مجردة بعيدا عن العاطفة وكل البعد عن كذب ونفاق التلفزيون والجرائد الحكومية.

إن لله سنن ثابته في هذا الكون {سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا} لا يمكن لأننا نمتلك الخصوصية العمانية أن نخرج من تلك الدائرة والسنة الربانية { أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وهذا ما حدث في مصر وليبيا وتونس وقبلها في فرنسا وغيرها من الدول الغربية وأيضا الآسيوية، ولكونها سنة كونية لسيت لها علاقة بدين أو طائفة أو حزب، والله سبحانه وتعالى دائما ينصر الدول العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصر الدول الظالمة ولو كانت مسلمة، والعدل أحد هذه السنن التي لا تجامل ولا تحابي أحدى ولا تتبدل وهي نافذة {ولا يظلم ربك احدا} إذن القاعدة سبب ونتيجة لا أكثر. إذا تغيرنا تغير حالنا. وكل ما أدركنا ماهية حقوقنا ومستوى الحريات المطلوب لقيام دولة مؤسسات حقيقية، يسودها العدل والحق، دولة تنافس لتضع بصمتها في الخارطة العالمية الاقتصادية والعلمية والسياسية والرياضية،  كل ما كانت هناك نتيجة ملموسة وواقعية.

ونحن كمسلمين لدينا تاريخ نتشرف به ويجب أن نتعلم منه، ولكي لا نختلف نتحدث فيما لم نختلف فيه وتفقنا عليه، طبعا لا أحد يختلف في عدل النبي والخلفاء الراشدين، وكيف ساد العدل في زمانهم والحديث يطول، لذا نختصر ونستشهد بعدل خليفة الذي قرن العدل باسمه، كل ما ذكر العدل ذكر اسمه، واذا ذكر اسمه ذكر العدل. إنه الفاروق ولا أحد يختلف في ذلك، لكن، وهنا الأهم، على رغم إدراك كل الصحابة بهذه الحقيقة، وهي عدل الفاروق هل تركوه و قالوا له افعل ما شئت؟!، لا والله بل كانوا له بالمرصاد، وجميعنا يعلم عن قصته مع الصحابي سلمان الفارسي، كيف هو الأخير وقف وقال كلمة الحق لا سمع لك ولا طاعة، عندما شعر بالظلم ولم يمنعه جلالة عمر ومكانته من قول الحق، لكن عندما أدرك الحقيقة قال الآن نسمع ونطع، هذا هو عمر الذي وقف له سلمان ولم يخف في الله لومة لائم، هذا هو عمر العادل الذي من شدة عدله قام بالحد مرة أخرى على ابنه عبدالرحمن عندما شرب الخمر، على الرغم أن عمر بن العاص قام بالحد عليه لكن في السر ووبخه عمر على ذلك، فقام بالحد على ابنه امام الناس حتى وافته المنية من شدة العذاب، ومن شدة ورعه كان يقول أخاف ان يحاسبني الله على شاة تعثرت في العراق لماذا لم أمهد لها الطريق.

أين حكومتنا وسلطاننا من هذا العدل {قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون} هل العدل بتضليل الرأي العام عن الحقائق؟!، وإخداعهم بالنهضة المكذوبة، هل العدل بانتشار الفساد وانحلال الاخلاق؟!، هل العدل بفرض التقديس والتمجيد وكل مظاهر العبودية للسلطان وليس للخالق؟!، أين ما ذهبت ترى صورة السلطان، منذ الطفولة ونحن نتعلم الدعاء للسلطان ونردده كل صباح، في الوقت نفسه في دول مجاورة يرددون النشيد الوطني الذي يرويهم كل يوم حب وولاء لوطنهم، لكن الله يمهل ولا يهمل، وهذا هو عدل الله في الدنيا، كل ما بنته الحكومة من هاله إعلامية قوية جدا في فرض حب السلطان، وبرمجتنا للولاء والتقديس الأعمى والتبعية المطلقة، وكأن السلطان لا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه طوال العقود الماضية، ينهار الآن يوم بعد يوم، فنشاهد الكثير من الشعب الآن من كبير وصغير ورجال ونساء يتلفظ على السلطان بما يصح وبما لا يصح من قول وفعل، "والله إذا أراد اسقاط حاكم أسقط هيبته من قلوب الناس (ابن تيمية)"

أرجع وأقول نحن كشعب مسؤول لسبب تخلفنا وبقاؤنا من ضمن العالم الثالث المتخلف رغم مرور 41 سنه على نهضتنا المزعومة، {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} جميعنا يلمس الفساد المستشري في كل شرايين الدولة، وارتفاع صوت المفسد، بمجاهرته بفساده وظلمة وفسقة، هل نحن راجعون؟!

وفي الأخير أقول "مرارة الحق تنشأ من كراهية المبطلين له، وحرصهم على إسكات دعاته مما يجعل الثائرين على الفساد يتعرضون لمكاره شتى، ومن هنا تتفاوت المراتب ويمحص الأيمان، فالمسلم البصير بما هو عليه من الحق، الواثق بما عند الله من خير، لا يبالي ان يقذف و بالكلمة الصادقة يزلزل بها كيان الظلم غير ناظر لبطش مخلوق....نحن في أيامنا هذه لا نشكو فحسب من الشياطين الخرس التي تعرف الحق وتكتمه، بل نشكو من الولاة الفجرة في بلاد الإسلام، يجدون من يعين على الشعوب معهم، ومن يصنعون الفتاوي المكذوبة لتسويغ مآثمهم، والدين وحدة ضحية هذا الفجور من الظالمين والمظلومين والمسوغين والمقتنعين( محمد الغزالي : الإسلام والاستبداد السياسي)".