التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجسد العماني يتألم من الملح - محمد الفزاري

أكتب أخيرا عن الموضوع الذي شغل الشارع العماني في الأيام الماضية، بعد ما آثرت الصمت عن الحديث حول الموضوع محاولا قراءة ردود الأفعال التي بدرت من معظم أطياف المجتمع، باختلافاتها الآيديولوجية والفكرية والمستوى الثقافي في مواقع التواصل الإجتماعي وبعض المنتديات. وحديثي هو حول "الملح" الذي ذرته بدرية الإسماعيلية على الجسد العماني الذي أصابته الكثير من الجروح العميقة - ولست في صدد الحديث حول أسبابها - ما لبث أن انتفض تألما وبدأ يئن ويصرخ حتى وصل به المطاف أحيانا بأن يفكر بقطع تلك الأجزاء المجروحة عن بكرة أبيها؛ بل وحرقها.

ما أريد أن أوضحه هنا بغض النظر عن موقفي من ملح بدرية "هل أؤيد تلك الكتابات من ناحية المضمون أو اللغة أم أرفضها؟"، بعض الملاحظات التي أرجو أن أعرضها بكل حيادية، وبعض التساؤلات التي ستتيح الفرصة للتفكير أكثر حول هذه الظاهرة.




١
هل نستطيع أن نطلق على ردات الفعل تلك والنوبات الخاطفة نتيجة حمى انتشر فيروسها عبر مواقع التواصل الإجتماعي وبالأخص "الوتساب" بأنها تمثل رأي عام للمجتمع العماني!. ما هو الرأي العام لأي مجتمع، وكيف يتكون؟ في أبسط مفاهيم الرأي العام هي تلك المشاعر والأفكار والمعتقدات والقناعات التي يعبر عنها جمهور ما أو مجموعة ما حول قضية معينة تهمه، أو مشكلة تورقه، وهنا تتمحور قوة المجتمع عندما يملك رأي عام حقيقي. ويكون ذلك التجييش من المشاعر وردات الفعل الناتجة عنها رأي عام صحي؛ عندما تغدو ركيزته الأساسية الانطلاق من النزعة الفردية الى الجماعية، وليس بنزعة جماعية إلى جماعية أخرى، يعني عندما تكون هناك أصوات فردية أكثر وعيا بما تقوله وتملكه من خبرات ومعلومات.وفي محصلة نشوء هذه الاصوات الفردية، لا يلبث الحال إلى أن تتحول إلى جماعية صحية غير إمعية. عدة أسئلة تطرح نفسها هنا: كم هم الأشخاص الذين انتقدوا او انتقدوا من أنتقد او أيدوا ما كتب في الملح بعد قراءتهم تلك المجموعة؟، وكم من تلك الأصوات هي ضليعة في الأدب بشكل عام والسرد بشكل خاص؟ ذلك لأن المثل يقول "لا تهرف بما لا تعرف".


٢
هل هناك حراس تم تنصيبهم لحراسة القيم والأخلاق في المجتمع العماني؟، وهل مفهوم القيم والأخلاق بعمومها هي قيم ثابتة، وغير متغيرة حسب الزمان والمكان؟. لنتفرض جدليا أن هناك أناسا تم تنصيبهم، أو نصبوا أنفسهم لحماية الخصوصية العمانية بما تحمله من قيم وأخلاق؟، أليس من واجبهم أن يمارسوا تلك المسؤولية بكل أمانة وصدق وإنصاف، ويكونوا قدوة في تطبيق تلك القيم والأخلاق التي يحمونها؟ كم من القيم والمبادئ وحقوق أفراد ومجتمع تهدر يوميا، ولم نرى مثل ردات الأفعال تلك ولا حتى همسا؟. مع تأكيدي لكي لا يفهمني البعض بشكل خاطئ، أنني لا أحاول هنا توجيه قناعات البعض نحو اتجاه معين؛ لإيماني في الكثير من القضايا الخلافية أنه ليس من الضروري وجود حقيقة مطلقة. أحيانا الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تختلف عن بقرة أفلاطون؛ فالبعض يتشبث بقرنها والبعض بحافرها والبعض الآخر بذنبها. الكل لامس جزء من الحقيقة فقط، والواجب السعي والبحث عن الأجزاء الأخرى، وليس الإدعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة.



٣
هل ما حدث من تجييش يحمل بين طياته وأعماقه نوع من التحامل على جنس معين على الآخر، أم لم يحدث؟ فبدون أن أسمي وأشخص كم من الروايات والمجموعات القصصية التي تم نشرها وعرضها في المعرض في السنوات الأخيرة لكتاب عمانيين "ذكور" وكانت تحمل نفس الأفكار وذات المصطلحات، ولم نسمع أي اعتراض من تلك الأصوات التي علا صوتها مؤخرا! هل القيم والأخلاق تختلف عند جنس إلى آخر؟

٤
سقط البعض وللأسف في مستنقع من الوحل وهوى بأخلاقة إلى القاع وهو يدافع عن الأخلاق عندما قام بتشخيص الموضوع وبدأ يتفنن في قذف الكاتبة والبعض منهم لم يتورع عن تأليف القصص الكاذبة، وهذه هي قمة المفارقة. والمثل يقول "كل إناء بما فيه ينضح".