التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسالة السلطان لوريث عرشه مخبأة في عدة مواقع في جميع أنحاء البلاد - محمد الفزاري

✅ قراءة لواقع الداخل والخارج
⭕ترجمة: محمد الفزاري
✔مجلة مواطن


- اختبار لعمان وللسلطان

خلال ساعات من نشر هذا التقرير على مجلة نيوز يوركر (News Yorker) الأسبوعية الأمريكية، والذي أعدته الصحفية إليزابيث ديكنسون حول مستقبل السلطنة وفقا للأوضاع الحالية التي تمر بها البلاد، سارع عدد من المهتمين بالشأن المحلي والكتاب الخليجيين إلى مشاركة رابط التقرير على صفحاتهم بمواقع التواصل الاجتماعي. تنشر مواطن التقرير مترجما للعربية مع وضع بعض التعديلات التي لا تلغي ما احتواه من مضامين.
ثلاث سنوات ونصف قبل أن تستضيف عمان محادثات سرية بين الولايات المتحدة وإيران، وضع وزير الخارجية يوسف بن علوي حينها شرط بلاده الوحيد: “يمكن لعمان أن ترتب أي اجتماع تريدونه، وتوفر المكان شريطة أن تكون المحادثات سرية تماما”، هذا ما صرح به بن علوي لريتشارد شميرير السفير الأمريكي في عمان في مناقشة حول إيران في نوفمبر تشرين الثاني من عام 2009، وفقا لبرقية دبلوماسية صادرة عن ويكيليكس.

عقدت المناقشات، والتي جرت في مارس 2013، في فيلات خاصة على ساحل مسقط المملوكة لحاكم عمان السلطان قابوس بن سعيد، وهي قد مهدت الطريق لمفاوضات رسمية بشأن برنامج طهران النووي الذي بدأ في فبراير من هذا العام، عندما أصبح واضحا أن أحدث جولة من المحادثات في فيينا، لن تؤدي إلى اتفاق قبل الموعد النهائي والذي يصادف 24 نوفمبر. ومرة أخرى، ترجع واشنطن إلى عمان بحضور بن علوي في محادثات طويلة بين المسؤولين الأميركيين والإيرانيين انتهت لتمديد الموعد النهائي حتى مارس 2015.

من بين قادة الشرق الأوسط اليوم، ربما لا يوجد من هو أكثر غموضا وأكثر شعبية من السلطان قابوس. وخلال أربع وأربعين عاما من الحكم، استخدم سلطته المطلقة وثروة قدرها 5.5 مليار برميل من احتياطي النفط؛ لتحويل عمان من إقليم يحتوي على 10 كيلو مترات فقط من الطرق وحرب أهلية، إلى بلد متوسط ​​ الدخل للشعب، ولم يسبق أن عاش فترة طويلة في سلام.

ومع ذلك، وعلى مدى العقد الماضي تراجع قابوس إلى العزلة، ورسم صورة مسالمة له ولكن بمعزل. وكان قليل الاختلاط بشعبه ونادرا ما يتحدث علنا. كما كان أيضا، لا يحضر اجتماعات القمم الإقليمية مفضلا إرسال مجموعة من المبعوثين كممثلين عنه.

ومع أن هناك طرق تحمل اسمه، لكنه على عكس الزعماء الإقليميين الآخرين الذين تتواجد صورهم في كل مكان في العاصمة.

ولذلك وقفت البلاد عندما جلس قابوس  أمام الكاميرا في 18 نوفمبر – عيد ميلاده 74-؛ لتأكيد ما توقعه الكثيرين. وتحدث عن مرضه دون أن يكشف اسمه – حيث يُعتقد أن لديه سرطان مزمن -. وقال السلطان: هذا “يتطلب منا المضي قدما في برنامج طبي في الفترة المقبلة”. وكان وقتها متواجدا في ألمانيا. ولأول مرة يغيب السلطان عن احتفالات اليوم الوطني.

ويقول خالد الحريبي – ناشط اجتماعي والرئيس السابق لأول مؤسسة بحثية مستقلة في سلطنة عمان (تواصل)-:  “هذا هو وقت اختبار بالنسبة لنا؛ لأننا ندرك أننا في حاجة إلى دفعة من الثقة”. وقال: “هناك مثل: الإنسان فقط ينمو عندما لا يعتمد على ولي أمره.”

في عام 1970، أطاح قابوس – السلطان 14 من سلالة آل بو سعيدي –  بوالده في انقلاب غير دموي، بتوافر دعم بريطاني. في ذلك الوقت، مسقط كانت تخسر حربا مع الانفصاليين في المنطقة الجنوبية “ظفار”، والتي تأثرت ببنادق وخطاب الحركات اليسارية التي اجتاحت العالم العربي. والمتوج حديثا، السلطان قابوس والبالغ من العمر 29 عاما، لم يشارك والده النفور من بناء الطرق والمدارس والبنية التحتية، بل تعهد ببناء دولة حديثة، وأعلن عفوا عاما عن المتمردين، وتعهد برد عسكري قوي لأولئك الذين لم يستسلموا ويتراجعوا. وليحقق هذا الوعد، كان السلطان في حاجة للمزيد من القوات، ووجدهم في إيران. وقال محمد العارضي الرئيس السابق لسلاح الجو العماني: “كانت إيران أكبر من قدم مساعدات، وليس فقط على مستوى التسليح ولكن أيضا على مستوى الجنود”.

في وقت الثورة الإيرانية، وبعد تسع سنوات، جمعت طهران بمسقط صداقة سريعا، رغم أن قادة الدولتين لم يكونا على وفاق شخصي، حسب افادة العمانيين الذين يعرفونهما جيدا في ذلك الوقت. ورحل فوج إيراني إلى مسقط تحت إمرة السلطان، وكان لا يزال يتمركز هناك عندما بدأت الاحتجاجات للإطاحة بالشاه. “إن الثورة الإسلامية في إيران تعني الكثير بالنسبة لنا”، هذا ما قاله المحلل العماني وكان على اتصال جيد ونشطا في السياسة الخارجية في ذلك الوقت. وأضاف: “اذا تغيرت إيران علينا، فهذا حقا سيؤثر على استقرارنا”.

عرف قابوس أن هناك حاجة عظيمة لجذب الحكومة التي تقودها الثورة الإسلامية، والتي أطاحت بالشاه.  لذلك  بدأ السفير العماني في طهران رويدا في تكوين  علاقات مع السلطة الدينية الجديدة. ومع الوقت استطاع في تأمين لقاء مع آية الله روح الله الخميني. وجرى اللقاء في قم “المدينة الايرانية المقدسة”. وجرى اللقاء جلوسا على الأرض مع السفير العماني وابن علوي. ومع ثقة السلطان وتردد وزير الخارجية طلبوا من  آية الله تكوين صداقة ثنائية . الخميني، الذي قيل أنه أعجب بطلاقة السفير في اللغة الفارسية؛ أكد أن الجمهورية الإسلامية لن تغير علاقتها بمسقط ولن تصبح ضدها، على الرغم من تحالفات عمان الغربية.

في الوقت الذي توجّهت فيها إيران والولايات المتحدة نحو التصادم في السنوات الأخيرة، اتخذت عمان بهدوء خطوات لبناء الثقة بين البلدين. بالإضافة إلى تيسير المفاوضات النووية. وأيضا، في سبتمبر 2011، ساعدت عمان في تأمين الإفراج عن “المتجولون” الأمريكان الثلاثة المحتجزين في إيران عن طريق دفع كفالتهم وقدرها مليون دولار. مبلغ يصفه العمانيين الآن  كاستثمار في السلام.

 وقال العارضي قائد سلاح الجو السابق: ” المفاوضات هي ما أرادها الجميع”. وأضاف: “صاحب الجلالة يريد أن يقنع كلا الطرفين لأجل الجلوس معا حول طاولة واحدة والتحدث. وحسب معرفتي من تعاملي مع جلالته، إنه شخص استراتيجي. قد حدد اثنين أو ثلاثة من الأشخاص المهمين في اللعبة وبدأ النقاش معهم، ومن ثم سمح لأولئك الذين يتعاملون مع الوضع المضي قدما”.

على مدى العقد الماضي، دفعت الثروة النفطية في سلطنة عمان نحو النمو الاقتصادي، ولكن التجارة وعقود العمل في الدولة احتكرت في أيدي عدد قليل من العائلات التجارية. والثروات الجديدة في البلاد كان يجري توزيعها بشكل غير متساو. القطاع العام  والخدمات العامة ساعدا في خلق بعض الوظائف الحكومية الجديدة؛ لكن لم تكن كافية لتوظيف نسبة كبيرة من الشباب الذين يدخلون سوق العمل. وفي يناير كانون الثاني عام 2011، وصل الربيع العربي في عمان. عدة آلاف من الشباب، والمعلمين، ونشطاء اعتصموا ضد الفساد والبطالة في مسقط ودوار ميناء صحار الصناعي.

تقول حبيبة الهنائية -ناشطة بارزة-: “إن في السنوات العشر الماضية، كان السلطان بعيدا قليلا، واختفائه ساعد في زيادة الفساد”. وقالت: إن المتظاهرين “لم يرغبوا في تغيير السلطان”، “وإنما  أرادوا المزيد من القيود التي تفرض على النخبة الحاكمة”. في الاحتجاجات رفع المعتصمون العديد من الرايات تحمل صور السلطان، وتطلب منه التدخل لصالحهم. وفي فبراير ومارس، قدم المتظاهرون في صحار ومسقط عريضة بالمطالب إلى السلطان.

بعض الاعتصامات كانت نهاياتها مأساوية. احتل المتظاهرون في صحار تقاطع مركزي يسمى دوار الكرة الأرضية. وبعد حرق سيارات خلال مظاهرة في الدوار، أخلى الجيش المنطقة يوم 1 مارس، ومرة ​​أخرى في 28 مارس. وضعت مدينة صحار تحت السيطرة العسكرية للأسبوع الأول من شهر إبريل. وفي 14 مايو، أخلى الجيش مظاهرة صغيرة في مدينة صلالة، ولبضع ساعات توقف الانترنت.

ويقول أحمد المخيني، مستشار سابق في البرلمان في سلطنة عمان -مجلس الشورى-: “كل يوم خلال الربيع العماني، كان يتلقى السلطان تحديثات حول الاحتجاجات”. وبحلول نهاية فبراير، تعهد قابوس بوظائف جديدة وتأمين ضد البطالة.

 وفي مارس، أعلن عن توسيع صلاحيات البرلمان نحو التشريع. وأيضا، تعهد قابوس ببناء أسرع للمساكن العامة، وأن الحد الأدنى للأجور سيرتفع. وزارة الاقتصاد، كانت هدفا لمزاعم الفساد وقد ألغيت، وأقيل قائد الشرطة الذي أشرف على حملة القمع ضد المحتجين. 

انتهت المظاهرات في مايو 2011، عندما أطلق سراح آخر محتج من ضمن مئات من المحتجين الذين اعتقلوا لأجل غير مسمى.

 تعرضت حبيبة الهنائي لاعتقال ضمن حملة اعتقالات في 2012، وتم القبض عليها بتهمة “التحريض على الاعتصام” أثناء زيارتها للعمال المضربين بحقول النفط. ومع ذلك، قالت أنها فخورة باستجابة السلطان للمطالب، مقارنة بعدة زعماء آخرين في المنطقة، كانت عمان هي الأفضل. وقالت الهنائي: “أنا لست سعيدة تماما، ولكنها كانت أفضل استجابة حكيمة”.

وقال المخيني: خلال الربيع العربي “شرعية السلطان لم تكن مهددة بل تم تجديدها”. وأضاف: “لكن هناك خطر، كونه المحور الوحيد للنظام بأكمله، إذا أخطأ، ولحسن الحظ أنه لم يخطئ، ذلك قد يدفع لانهيار شرعية الدولة”.

قابوس ليس لديه زوجات ولا أولاد، ولا يوجد له وريث واضح. وفي ظل هذه الظروف، دستور سلطنة عمان، والمعروف باسم النظام الأساسي، الذي كان هبة قبل السلطان في عام 1996 والمعدل في عام 2011، ينص على أنه بعد وفاة الحاكم، فإن مجلس العائلة يجتمع لاتخاذ قرار بشأن الخليفة. وإذا مرت ثلاثة أيام لم يستطع مجلس العائلة حينها حل هذه المسألة، ستفتح أربع هيئات استشارية أخرى رسالة كتبها السلطان ومخبأة في عدة مواقع في جميع أنحاء البلاد، فيها قائمة بخياراته مرتبة لوريث عرشه.

ويعتقد أن المرشحين الثلاثة الأقوى للحكم هم أبناء عمه الراحل طارق بن تيمور: -الذي شغل منصب أول رئيس وزراء للسلطان (الآن قابوس يحتل المنصب بنفسه)- أسعد بن طارق وهو رجل أعمال ودرس في سانت هيرست، وهيثم بن طارق وهو وزير الثقافة في سلطنة عمان، وشهاب بن طارق والذي كان قائدا للبحرية  لمدة أربعة عشر عاما؛ لكنه تقاعد من منصبه قبل عقد من الزمن. ولا يبدو أنه جهزهم على السلطة.

ويقول العارضي قائد سلاح الجو السابق: الهاجس الأكبر ليس من سيخلف قابوس، ولكن هل مؤسسات الدولة قوية بما يكفي لمساندته؟، ربما يظن الناس أن من السهل البقاء بعيدا عن المتاعب والأكثر صعوبة في أن تشارك”. وأضاف: “لكن على العكس من ذلك، فإنه من الصعب جدا البقاء على المسار والابتعاد عن الصراع. وهذا ما قام به جلالته”.