التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشاعر سيف الرحبي في حوار حول: المشهد الثقافي العماني.. وجدلية علاقة المثقف بالسلطة - محمد الفزاري


هناك جدل واسع وقديم حول تعريف المثقف وماهيته، ودوره في المجتمع ومدى تفاعله مع قضاياه، وشكل وحجم علاقته بالسلطة. وفي السلطنة تتشكل عدة أنماط وأدوار لهذه العلاقة التي تجمع طرفين حساسين يتحكمان بصورة مباشرة بوضع واتجاهات الثقافة في البلاد، تجري مواطن حوارا حول جدلية علاقة المثقف بالسلطنة وأهم سمات المشهد الثقافي العماني مع الشاعر سيف الرحبي، رئيس تحرير مجلة نزوى، وعضو مجلس الدولة سابقا، والحاصل على جائزة السلطان قابوس التقديرية للثقافة والفنون والآداب عن مجال الشعر العربي الفصيح. 

 
  • يسهم المثقف في حدود قدراته في إنعاش الروح الجماعية باتجاه الخروج من التخلف والظلام نحو مستقبل أكثر عدلاً وأماناً وإنسانيةً.
  • بعد التراكم الزمني، المثقف بحاجة للرجوع إلى بديهيات الهوية العربية والوحدة العربية.
  • هناك وقائع وأحداث جسام لم تأتِ عليها الكتابة التاريخية العمانية.
  • المثقف يحاول التعاطي مع شأن المجتمع والتاريخ وفق الظروف والقيم المتاحة.
  • في الفترة الأخيرة ثمة حضور للمثقف العماني مقارنة بالفترات السابقة، التي يجري فيها البحث عن هذا الحضور بالمجهر.
  • المثقف في العالم العربي حين يكون على رأس مؤسسة ما؛ فإنه يمارس تسلطاً وقيماً يقدم فيها نفسه نظرياً على نقيضها.
  • المثقف لا ينبغي أن يكون على نقيض الدولة، ولا بد أن يستفيد من المؤسسة الرسمية التابعة لها فيما يخدم قضية الثقافة والتاريخ.
  • الدولة بمفهومها الواسع و”العميق”، هي غير السلطة المحدودة لمسؤول ما يحتمل الصلاح والفساد.
  • الرقابة التقليدية هي مجافية للتطورات التي تمتلكها الأجيال الراهنة؛ فهي ستؤدي دوراً سلبياً على عكس ما يظن الرقيب بخياله ووعيه.


1-  برأيك .. من هو المثقف، وما هي واجباته باتجاه المجتمع؟
لا أريد الدخول في تعريف المثقف ومصطلحه وأطوره التاريخية والفكرية المختلفة، فهي موجودة في المصادر والكتب. لكن أعتقد أن المثقف والكاتب الحقيقي له ضمير مرهف، وعواطف حادة، إلى جانب وعيه الفكري بقضايا المجتمع والتاريخ، والظلم، والعدالة، إضافة إلى إسهامه -في حدود قدراته- في إنعاش الروح الجماعية باتجاه الخروج من التخلف والظلام نحو مستقبل أكثر عدلاً وأماناً وإنسانيةً.



2- برأيك .. هل نجح المثقف العماني في نقل صورة الواقع الذي يعايشه، وابرازه في كتاباته؟
يختلف هذا النجاح من مثقف وكاتب إلى آخر، لكن مهما كانت قدرة هذا أو ذاك في استيعاب الواقع ونقله إبداعياً إلى الآخر والتاريخ، يظل هناك نقص ما وطموح ما، تستكمله الأجيال المتلاحقة.



3- هل المثقف العماني ساهم في صناعة وعي المجتمع أم كان تأثيره محدودا جدا؟
ساهم على طريقته الخاصة؛ فالكاتب الروائي والشاعر والناقد الأدبي، إنجازهم الذهني في حد ذاته مساهمةٌ ولو كان أثرها بعد حين.



 4- هل شغلت قضايا العروبة المثقف العماني قديما، وهل تفاعل مع الأحداث البارزة حينها؟
أتصور أن هناك قسماً كبيراً تفاعل مع أطروحات كانت بديهية في وقتها، كالهوية العربية والوحدة العربية وغيرها من شعارات تلك المرحلة. التي كان المثقف موجودا في خضمها العاصف. من المفارقة أننا بعد التراكم الزمني بحاجة للرجوع إلى تلك البديهيات.



5- الكثير من التفاصيل التاريخية العمانية بين 1950 – 1980 طمست، وأصبح الكثير من العمانيين يعرفونها بشكل سطحي جدا، هل يحتاج المجتمع لمعرفتها، وما هو دور المثقف في ذلك؟
هناك أحداثٌ قدمها بعض الكتّاب العمانيين تمتد إلى ذلك التاريخ، وأحداثٌ أخرى ما زالت تبحث عن كاتبها ومؤرخها، والذي لا بد أن يأتي ويكتب ويساجل ويناقش، وفي تصوري، فإنه ليس من مبرر لعدم الكتابة عن أحداث أصبحت في ذمة التاريخ، لكن لو ذهبنا بصورة أبعد في التاريخ العماني سنرى أن هناك وقائع وأحداثاً جساماً لم تأتِ عليها الكتابة التاريخية العمانية التي هي قليلة على كل حال أمام كثرة الأحداث واحتدامها، وهذه مسألة بحاجة إلى بحث .



 6- بناء على التحولات المجتمعية، كيف تعاطى المثقف معها وكيف هو اتصاله مع الآخر؟
المثقف يحاول التعاطي مع شأن المجتمع والتاريخ وفق الظروف والقيم المتاحة. وهو يؤكد إبداعياً على الانفتاح ضد التقوقع المحلي تحت أي شعار.



7- هل هناك تهميش لدورالمثقف في الساحة المحلية والأقليمية والدولية، ومن المسؤول عن ذلك؟
في الفترة الأخيرة ثمة حضور لهذا المثقف وهذا الكاتب، وهو ملفت مقارنة بالفترات السابقة، التي كان يجري فيها البحث عن هذا الحضور بالمجهر. الآن هناك نوع من الحضور الذي يُرجى من خلاله التعمق والبروز أكثر بما يليق بحجم هذا البلد، وتاريخه الفكري والثقافي على مدى الأزمان.



8- هناك من يرى أن دور المثقف لا يشترط بصورة كبيرة أن يكون قريبا من السلطة أو قريبا من أحداث المجتمع ومعبرا عنه؛ فهو ليس اصلاحيا بالدرجة الأهم. ما هو رأي الرحبي في شكل علاقة المثقف بالسلطة، وكيف يجب أن تكون؟
المثقف على ما أظن لا بد أن يكون ديمقراطياً ومتسامحاً، وأن يشيع قيم الحرية والجمال والحق، وهذا يتنافى مع قيم التسلط. لكن مع الأسف نرى أن كثيراً من المثقفين في العالم العربي حين يكون على رأس مؤسسة ما، فإنه يمارس تسلطاً وقيماً يقدم فيها نفسه نظرياً على نقيضها. لكن المثقف في رأيي لا ينبغي أن يكون على نقيض الدولة. والدولة بمفهومها الواسع و”العميق” هي غير السلطة المحدودة لمسؤول ما يتحمل الصلاح والفساد وغير الحكومة حتى؛ فالمثقف لا بد أن يستفيد من المؤسسة الرسمية التابعة للدولة فيما يخدم قضية الثقافة والتاريخ، وهذا دور طبيعي وصحي دولةً ومجتمعاً ومثقفاً وكاتباً.



9- هناك من يعتقد أن السلطة تمارس دورا رقابيا صارما وتعمل كمقص رقيب على المشهد الثقافي. ما رأيكم في هذا الاعتقاد ؟
إن التعبير عن مفهوم (المثقف) ككتلة متراصة أمر لا ينبغي التعبير عنه؛ فهناك أنماط واتجاهات ومشارب مختلفة. لطالما تحدثت مع أصدقاء من الكتّاب العمانيين أو مع مسؤولين في الدولة ليسوا بعيدين عن الثقافة والكتابة بأن أي نوع من أنواع الرقابة التقليدية هي مجافية للتطورات والمعطيات التي تمتلكها الأجيال الراهنة؛ وهي ستؤدي دوراً سلبياً على عكس ما يظن الرقيب بخياله ووعيه الذيّن تجاوزهما الزمن. لا بد ـن تكون هناك خطوط حمراء في كل دولة وبلد، فلا يمكن ترك الحبل على غاربهِ باسم الحرية والتحرر والحداثة. وهذا المفهوم في تصوري يذهب إلى تعميق الوعي والاحساس بالجمال والعدل والحرية الحقيقية، وليس كونه ابتزازا سطحياً ومراهقاً للمقدسات والثوابت التي على هديها مضت المجتمعات قروناً طويلة. وهكذا بالنسبة للإقصاء؛ فلا يمكن ممارسة الإقصاء حالياً في ظل التواصل المهيمن على أي شخص على الخصوص، إذا كان هذا الشخص كاتب حقيقي وصاحب آراء ووجهات جدية في الأدب والفن، حتى لو حاول ذلك بعض محدودي الرؤية.



10- كيف تصفون الدعم الممنوح لجهات الثقافة الحكومية وهل هو كاف أم بحاجة إلى إعادة نظر؟
إننا نطمح للمزيد من الدعم والأفق المفتوح اتجاه الانفاق على مؤسسات كجمعية الكتاب والأدباء أو النادي الثقافي لاسيما بعد تولي عدد من الإداريين والأكاديميين الكبار لمناصب مهمة في الجمعية ووزارة التراث والثقافي بينهم الدكتورة عائشة الدرمكية والدكتور هلال الحجري. إن مبدأ ترك الثقافة في أيدي إداريين لا علاقة لهم بهذا المجال من غير استشارة المعنيين في الأمر؛ يؤدي إلى نتائج سيئة، ولا تخدم الجميع.



11- ما هو وضع الثقافة والمثقف في عمان آنيا ومستقبلا كما ترى بشكل عام وهل؟
يتحسن وتتعمق الكتابة برؤاها المختلفة . وهذا التراكم الكمي يفرز في مجراه الموضوعي الكتابة النوعيّة.



12- لو تم منحكم سلطة وصلاحيات لتغيير الواقع الثقافي في السلطنة، فأين سيكون اتجاه الرحبي؟
لم أتصور أن أشغل في يوم من الأيام المناصب العالية المهيبة، هذا في الزمن الماضي، فكيف وأنا أقترب من الستين بخطى حثيثة نحو تحقيق حلم العزلة والسكينة الروحية التي طالما حلمت بها، ولم يتحقق حتى الآن إلا بشكل جزئي، وفي فترات متقطعة؛ فالإنسان لما قُدر له، والستين عندي أفظع من الثمانين لدى الشاعر القديم:
“إن الثمانين وبُلغتها.. أحوجتْ سمعي إلى ترجمان”
والزمن ثقيل ثقيل حتى من غير ترجمان. ونشكر الله في كل الأحوال. الرحلة أوشكت على النهاية، بينما غربان الطفولة تصدح فوق أشجار السُمْر.



13- سيف الرحبي، وموقعه من المحاور السابقة؟
علاقتي بالمحاور التي ذكرناها دائما متوترة أو سيئة. فالمحور يشدك دائما إلى جاذبيته ومركزيته، وأنا أحلم بالغابات المطيرة والهواء الطلق: كلمات.. كلمات.. كلمات، هكذا عبر شكسبير. ربما عن لا جدوى الكلمات، لكن هذه اللاجدوى هي ملاذنا الأخير في هذا العالم الذي يتدحرج سريعاً نحو الهاوية والجحيم، حيث القوي يسحق الضعيف من غير هوادة ولا رحمة. وحيث الأرض العربيّة أصبحت مرتعاً “للمحاور” والأوبئة والحروب. طبعاً لا أقصد محاور أسئلتك، هذا من باب المفارقة فقط.



متابعة: محمد الفزاري
نشر هذا الحوار في مجلة مواطن