التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نحن حمقى أكثر من الحمق - محمد الفزاري


بشكل مستمر أواجه الكثير من الانتقاد اللاذع، والسب أحيانا أيضا، وأقصد هنا في مواقع التواصل الاجتماعي، من بعض العقول التي لم تتعود وتستوعب حتى الآن فكرة الاختلاف وتعدد وتنوع الرؤى والقناعات. بل تعودت على الصوت الواحد والولاء الواحد والحكمة الواحدة. وفكرة الحظيرة والقطيع، وتمقت أي صوت آخر مختلف عن سائد الأسرة والقبيلة والمذهب والدين والدولة. لا تريد لأيا كان أن يفكر بطريقة مختلفة خارج نطاق الحظيرة، سواء على المستوى السياسي أو الديني أو الاجتماعي، وإلا اعتبر زنديقا ومهرطقا وكافرا وجاحدا وغير وطني ومحرض وصاحب فتنة ولديه أجندات خارجية !



ولكي لا أفهم بشكل خاطئ. لا عني هنا النقد الطبيعي المعتاد الذي هو من حق أي شخص ويقع على الجميع ويشمل الكل، وأعني الكل هنا بمعناها الحرفي التام. وفي الحقيقة تجاوزت هذا الموضوع إلى ما هو أبعد من هذا بكثير. حيث لا أرى أن هناك شخص مقدس، أو فكرة مقدسة ومنزهة عن النقد بحد ذاتها. وما المقدس إلا نتاج عقولنا وممارساتنا اليومية، وهي فعل اجتماعي ومرتبطة بالمقدِس وليس بالمقدَس. وبما أن هالة التقديس جاءت نتيجة أفعال اجتماعية فهي مرتبطة ارتباط وثيق بعامل الزمن وحجم انتشارها وتأصلها اجتماعيا، والعلاقة بينهما طردية. بل خطابي موجه إلى العقول التي تتعمد الابتعاد عن الفكرة والتركيز على شخص طارح الفكرة لتمارس وظيفتها المعتادة في السب والقذف، حتى يرجع طارح الفكرة عن ظلاله وغيه المبين، ويعلن توبته ورجوعه السريع إلى القطيع.


مع العلم أنا في صفحاتي الشخصية أمارس حريتي في التعبير عن آرائي ولم أتعدى على حريات الآخرين. وجميع مواقع التواصل الاجتماعي تقريبا أتاحت للجميع متابعة من تريد، وفي ذات الوقت إلغاء متابعة من لا تريد. وهنا نقطة مهمة كنت أفكر فيها خلال اليومين الماضيين: خاصية البرودكاست في الوتساب، هل هي تعدي على حريات الآخرين ومصدر إزعاج، خاصة لو كانت هناك فئة من الذين يصلهم البرودكاست لا يشاركونك نفس القناعات والأفكار؟! أراه نعم هناك تعدي وإزعاج للآخرين. لذا قررت من اليوم عدم إرسال أي برودكاست في الواتساب، ولا أحبذ أي شخص يرسل لي أي برودكاست.


في الحقيقة نحن شعوب مريضة بحب السيطرة والاستبداد مع ذواتنا ومع الآخرين. "ولطالما آمنت بأن الدولة ماهي إلا انعكاس للشعب، و أن شعبا متحضرا لا يمكن له أن ينتج سوى دولة متحضرة، بينما لا يمكن لشعب متخلف سوى أن ينتج دولة متخلفة مهما كثرت المحاولات و التجارب، و هو ما قد يفسر ما نراه واقعا مُعَاشا في معظم الدول العربية اليوم، من حيث وجود أنظمة سياسية قمعية دكتاتورية تحكم شعوبا هي في حد ذاتها قمعية دكتاتورية حتى في معاملات أفرادها بين بعضهم البعض على المستوى اليومي."***


نحن حقا مطموسي الفردية وتسيطر علينا روح الأمعية في نسق تفكيرنا وفي رؤيتنا للأشياء وحتى في اتخاذ قراراتنا وتصرفاتنا. ومثلما قال الشاعر أنيس شوشان الذي استلهمت منه فكرة العنوان: "نحن مجتمع أحمق من الحمق، نتنازع على التفاهات، والترهات، والخرافات. ونرفض دوما أن نغوص في العمق". ليس هذا فقط، بل نحب حتى التدخل في خصوصيات الآخرين وفي خياراتهم الحياتية اليومية. ونتقن تأليف القصص والأكاذيب. ونحب الجدال والصراخ والدفاع المستميت للحقيقة المطلقة وحتى للفكرة وليدة اللحظة، ونكره الحوار وتطبيق أبسط معاييره. كل هذا يحدث فقط إذا اكتشفنا أن هناك شخص مختلف في تفكيره. ومواطن رفض أن يكون من ضمن القطيع. وعقل رفض أن يتقبل السائد وفضل أن يصنع سائده!.